حصيلة ما حدث ويحدث من عمليات إرهابية هوجاء، ومن محاولات عمياء لتنفيذ عمليات إرهابية بشكل عشوائي جاهل وساذج ومقيت معظمها فشلت أو أحبطت وأجهضت وتحطمت على صخور الأمن.. أن أصبح نصف الشعوب الأوروبية يعتقدون أن الإسلام بات يمثل خطراً أكيداً على حياتهم، وعلى أمنهم واستقرارهم، وعلى رفاهيتهم، بل وحتى على جميع مقومات الحضارة الغربية والعالمية التي بلغت ذروتها في العصر الحديث.
هذا ما توصلت إليه معظم إن لم يكن جميع استطلاعات الرأي العام الأوروبية خاصة في بريطانيا حيث تعتقد نسبة 53% منهم أن الإسلام يعد الخطر الأول والمباشر على حياتهم ومستقبلهم، فيما ارتأت نسبة 65% ضرورة التحقيق والتدقيق مع المسلمين ووضعهم تحت طائلة أجهزة المراقبة والملاحظة والتجسس.
بل إن هناك نفر من الأوروبيين رفضوا ركوب القطارات والطائرات وبعض وسائل المواصلات العامة حينما عرفوا أن بعضا من المسافرين معهم هم من الجنسيات العربية أو من المسلمين وعلى وجه التحديد من العرب المسلمين أو من الباكستانيين المسلمين. أضف إلى ما سبق أن وجود أي جنسية بسحنة عربية لكفيل بأن تتجه إليهم كافة أنظار الحاضرين دون استثناء.. وهي مع كل الأسف نظرات خوف وشك وريبة وليست بنظرات إعجاب وتقدير.
هذا ما جنته أيدي البعض من العرب والمسلمين الذين ركبوا موج العنف والتطرف والإرهاب، وبعض من أبحروا في متاهات التطرف والغلو والتشدد، وبعض من عزفوا على أوتار الدمار وجوقة الهدم، وبعض ممن تغاضوا عن رؤية الحقائق كما هي كائنة وواقعة في عصر لم يعد فيه موقع ولا مكان لمن يتبنى العنف نهجا ولمن يؤمن به كوسيلة ومن يختاره كأداة أو كوسيلة للتعبير عن الرأي أو المظلمة أو حتى من يحاول شفاهة استخدامه كبوق أجش للتذمر.
صحيح أن الظلم في العالم قد بلغ أشده وبلغ أوجه خصوصاً في هذا الجانب المرتبك من العالم.. وصحيح أن الهيمنة الدولية للقلة بلغت ذروتها على الأكثرية خصوصاً في عالمنا الشرق أوسطي هذا.. وصحيح أن التجني والتعدي الدولي بل والعربدة الدولية فاقت حدود ما سبقها وما قد يسبقها من حدود وموانع خصوصاً على حدود هذا الواقع الجغرافي المتهالك.
لكن الصحيح الأوضح دقة والأكثر صحة وحقيقة من كل ما سبق يؤكد بأن العنف بأي شكل من أشكاله وخصوصاً الإرهاب لم يعد الوسيلة الأفضل والأنجع ولا الأكفأ التي يمكن أن تحقق الأهداف القومية في عصر العولمة السياسية والعسكرية خصوصاً بعد أن توحدت المصالح الكبرى ومن ثم تزاوجت في منظومة أمنية متكاملة يعود الفضل لوجودها لمنطق الإرهاب نفسه.
بمعنى آخر قد يكون أكثر دقة يمكن القول إن محاولات نفي النفي من خلال عامل النفي الأول (العنف) لم ينفِ ما كان المراد نفيه على الإطلاق، بل إن جميع محاولات نفي النفي ذاتها أعادت كرة النفي النارية على ذاتها ليبقى محور النفي نفسه في منفى ذاتي بعد أن تسبب في ولادة القوى التي ترفضه وتلك التي تعمل على طرده بكافة الوسائل والسبل.
لقد شوهت القلة القليلة المارقة ممن يدعون الإسلام صورة المسلمين في العالم بل وتحاول جاهدة تشويه صورة الإسلام نفسه من خلال ما تفعله من أفعال إرهابية دموية باسم الإسلام والمسلمين. تحدث هذه المؤامرة على الإسلام والمسلمين في عصر الانفتاح على العالم، وفي عصر يمتلك فيه المسلمون جميع مقومات الذود عن الإسلام والدفاع عنه وإظهاره على حقيقته السمحة للعالم كله.
لكن من الواضح حقا أن القلة القليلة المارقة قد حاكت مؤامراتها بدقة وخبث، وركبت في حركيتها الإعلامية على موج من العاطفة الجياشة، وأيضاً بعد أن تسربلت في تحركاتها بجلابيب الخطاب الحماسي المتهيج خصوصاً بعد أن نجحت في خلط أوراق الحقائق ودست فيها سمومها الزعاف.
نعم لقد تمكنت تلك القوى العميلة من تحويل المنطقة إلى مرتع واسع للإرهاب. وباستخدام صك الإرهاب صودرت الحقوق الفردية والجماعية للمسلمين، وبالاعتماد على مبرر الخوف وذرائع الأمن تمرغت نسبة كبيرة من فئات الشعب العربي والشعوب الإسلامية في مهاجرها وحشرت في مواقع الضعف والذل والهوان.
السؤال: كيف يمكن فرض أفكار مثالية على واقع مجتمع لا يمكنه أن يحتملها، يقودنا إلى التأكيد بأنه لا يمكن التغافل ولا التراجع عن مسار المواجهة الشاملة مع الإرهاب خصوصاً بعد أن بات يمثل معضلة القرن الواحد والعشرين.
لقد تقاطعت الحقائق ولكنها تبقى كذلك لأنها حقائق، بيد أن الأكاذيب لا يمكن أن تستمر خصوصاً فيما لو تقاطعت مع بعض من الحقائق التي حتما ستزيل عنها ورقة التوت.
|