* د. عقيل محمد العقيل :
لو عرفت أن منطقة سياحية تنوي أن تستمتع بقضاء إجازتك السنوية فيها قد تتعرض لزلزال قوته 8 درجات على مقياس ريختر، ما القرار الذي ستتخذه؟ هل ستقضي إجازتك المقبلة في تلك المنطقة أم ستبحث عن خيار آخر؟ الإجابة بطبيعة الحال ستعتمد على مدى معرفتك بهذا المؤشر، فإن كنت تعلم بأنه ينقسم إلى 9 درجات، وعلمت أن الخطورة تزداد من 5 درجات فأكثر، وعلمت أن 8 درجات تعني زلزالاً شديد القوة لايبقي ولايذر، فمن المؤكد أن قرارك سيكون الابتعاد عن تلك المنطقة قدر الإمكان.
أي أنك كمواطن اتخذت قرار بناء على هذا المؤشر، بمعنى أن المواطن في أي دولة يستطيع أن يبني الكثير من قراراته على المؤشرات، فالمؤشرات وسيلة مهمة وفعّالة يمكن استحداثها وتطويرها والتوعية بها للمساهمة في تعزيز قدرات الأفراد والمؤسسات لاتخاذ قرارات صائبة في أي منحى من مناحي الحياة، وهذا ما تفعله الدول المتقدمة حيث يجد المستفيد في تلك الدول الكثير من المؤشرات التي تساعده في اتخاذ قراراته بكافة أنواعها سواء كانت استثمارية أو استهلاكية أو تأهيلية إلى غير ذلك من القرارات.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، هناك العشرات من المؤشرات اليومية والأسبوعية ونصف الشهرية والشهرية والسنوية التي تصدر أما عن جهات حكومية أوجامعات ومعاهد بحثية أو عن شركات، مؤشرات تقوم بتبسيط واقع معقد لايستطيع المواطن أن يفهمه إلا من خلال هذه المؤشرات التي تسهل له تصوره وقراءته بسهولة كبيرة ليستطيع اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب مما يرفع درجة النجاح على حساب الفشل.
مثال بسيط من أمثلة المؤشرات التي ينتظرها الجمهور في أمريكا هو (Consumer price index) وهو مؤشر يقيس التغيير في متوسط أسعار أكثر من 200 سلعة استهلاكية في العديد من مدن أمريكا. وتصدره وزارة العمل الأمريكية شهرياً. وقد بدا العمل في إصدار هذا المؤشر منذ عام 1913م. فهذا المؤشر يستخدم لقياس غلاء المعيشة ويدخل في قياس نسبة التضخم وتستخدمه بعض الشركات العملاقة لتقييم رواتب موظفيها وهل تلك الرواتب تفي بالغرض لتوفير حياة مريحة لهؤلاء الموظفين أم لا. كما تمتد المؤشرات لتشمل مؤشرات التضخم ومؤشرات بناء المساكن إلى مؤشرات الأسهم والسندات.
ووزارة العمل الأمريكية نشطة جداً في إصدار المؤشرات منها على سبيل المثال لا الحصر The Producer Price Index (PPI) وكذلك The Employment Cost Index (ECI) وأيضاً The Gross Domestic Product Deflator (GDP Deflator). والمجال هنا ليس لشرحها ولكن ما أريد إيضاحه هنا هو أن المنظمات الرسمية وغير الرسمية تقوم بدورها في التوعية والتنوير بما لديها من معلومات لإيمانها أن المعلومة المقدمة في قالب مبسط وفي وقتها لمستخدمها هي أعظم خدمة لهذا المواطن أو المستثمر. ولم تفكر يوماً أن هذه المعلومة تكون حكراً على فئة معينة أو أشخاص معينين تقدم لهم على شكل تقارير سرية أشبه ما تكون بالتقارير الاستخبارية.
وفي المملكة العربية السعودية يعاني المواطن فضلاً عن المؤسسات من شح شديد في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الأمنية التي تمس حياة المواطن البسيط مباشرة والمؤسسات التجارية وغير التجارية مثل المؤسسات غير الربحية صغيرها وكبيرها، وأنا هنا لا انتقد وزارة أو جهة معينة في الدولة أو خلافها لوصولنا لهذا الحال. بل انتقد واقع معاش وثقافة مع الأسف أصبحت متأصلة في الغالبية منا تعتبر المعلومة من حق القائم على تجميعها وليس لأحدٍ الحق بالاطلاع عليها, فضلاً عن تبسيطها على شكل مؤشر يصدر بشكلٍ دوري. فالجهات الرسمية لدينا وتتبعها الجهات غير الرسمية أخفقت في النهوض في هذا المجال وفضلت أن تترك الحال على ماهو عليه، وان كانت هناك معلومة معينة فتصدر بشكلٍ خجول على شكل تصريح أو تكون منزوية في الموقع الإلكتروني لتلك الجهة.
كذلك الجامعات والمراكز البحثية قصرت في هذا الجانب إذ لم يتعدَ دورها في خدمة المجتمع الدور النمطي، أساتذة وطلاب وشهادات نهاية العام فقط. كذلك المؤسسات الاقتصادية العملاقة والقيادية قصرت في ذلك، فعلى سبيل المثال البنوك ? رغم أنها الأنشط نسبياً ? إلا أنها لا تقوم بإصدارات دورية منتظمة تشتمل على المؤشرات الاقتصادية ذات الصلة بنشاطها مثلاً.
وبظني أن الأفراد والشركات لدينا أيضاً يكونون مسؤولين عن شح المؤشرات التي تمكنهم من بناء قراراتهم على بينة، ذلك بأنه لم يطالبوا بإصدار المؤشرات ذات العلاقة بمصالحهم، فلم أسمع يوماً بمطالبة لوزارة التجارة بإصدار أسبوعي لايتأخر يوماً عن أسعار السلع الاستهلاكية وارتفاعها أو انخفاضها لكل مدينة من مدن المملكة التي لايقل عدد سكانها عن مائة ألف نسمة، كما لم أسمع يوماً عن مطالبة أحد لوزارة العمل بمؤشر شهري لنسبة البطالة لدينا. أو لوزارة المالية بإصدار نصف شهري بنسبة التضخم.
ختاماً أود أن أقول إن المنافسة في الأيام المقبلة ستكون شديدة جداً والبقاء للأصلح والأقوى والأسرع، وكل ذلك يستدعي قدرة على اتخاذ القرارات السريعة الصحيحة المبنية على معلومات صحيحة ودقيقة وحديثة، والمؤشرات الدورية أحد أهم المعلومات التي يجب أن تكون متاحة للأفراد والمؤسسات السعوديين ليستطيعوا بناء قراراتهم على صورة واضحة، وكلي ثقة بأن الجهات المعنية بتطوير وإصدار المؤشرات سواء حكومية أو غير حكومية ستنشط في القيام بذلك لما فيه مصحلتها والمصلحة العامة.
|