عودة إلى الجذور لاستنباط الحلول

يحاول عراقيون جادون استنفاد كل السبل من أجل سلامة وطنهم وإخراجه من دائرة العنف، وهم اهتدوا مؤخراً إلى وسيلة من صلب مجتمعهم تتمثل في البنية العشائرية؛ من أجل الاستعانة بها في مواجهة المصاعب القائمة، وعلى رأسها استشراء العنف الذي يجري تحت رايات متعددة من المقاومة إلى الإرهاب مروراً بالأعمال الفوضوية، وتلك التي يقوم بها البارعون في الصيد في المياه العكرة، سواء أكانت أغراضهم سياسية أم إجرامية.
وهكذا خرج إلى الوجود مؤتمر زعماء العشائر في إطار مؤتمرات المصالحة، وكانت البادرة الخيرة الأولى للقاء وثيقة شرف تحرم سفك دماء العراقيين. ومن الواضح أن اللجوء إلى زعماء العشائر وإلى البنية القبلية من أجل البحث عن مخرج لا يعبر عن يأس بقدر ما يعكس جدية في السعي؛ فلم تكن العشائر بعيدة في يوم من الأيام عما يحدث، لكن كان هناك تغييب لدورها الإيجابي وإهمال لإمكاناتها، وبدلاً من ذلك جرى استغلال النعرات القبلية لصب المزيد من الزيت على نيران العنف المشتعلة أصلاً، وذلك بتحفيز الحمية القبلية وتنشيطها بطريقة سلبية مدمرة ومهلكة.
وكان من المهم أن يلجأ العراقيون إلى هذا المخزون الخير، وذلك على الرغم من احتواء هذا المكون على كل ألوان الطيف السياسي، وحتى في القبيلة الواحدة يوجد مثل هذا التعدد.
ومن هنا فإنه لا رهان على تفعيل هذا الوضع العشائري ليكون هو سيد الساحة والقائد لعملية الخلاص الوطني، وإنما المقصود استخلاص أقصى ما لديه في سبيل تهيئة الأجواء من خلال التذكير والتأكيد على قدرة هذه البنية القبلية في حلحلة الكثير من المشكلات في الماضي، وأنها نجحت طوال قرون وعقود في الحفاظ على النسيج الاجتماعي سليماً، على الرغم من عدم وجود ميثاق مكتوب يحكم العلاقة بين القبائل.
هذا الدور المساعد في التسوية السياسية المنشودة يعيد دون أدنى شك إلى الساحة دوراً كان مهمشاً للزعامات القبلية، وبعضها اكتسب قدراً من السمات السياسية، وفي كل ذلك إعادة اعتبار لا بد منها لقوى كامنة وفاعلة ومقتدرة في المجتمع غيّبتها عن ساحة العمل الوطني الأحداث المذهلة، سواء كانت على الصعيد العسكري أو في المجال السياسي؛ فعلى الصعيد العسكري، وتحديداً فيما يتصل بالعنف فإن هذه القيادات السياسية القبلية وقفت مشلولة أمام نوع جديد من الصراعات لا قبل لها بالتعامل معه؛ ولهذا ربما فضلت الانسحاب، وقد تكون استسلمت للقنوط واليأس.
وفي كل الأحوال فإن من الواضح أن العراق يحتاج إلى كل قواه ومكوناته الفاعلة؛ من أجل الخروج من مأزق العنف الحالي, وإلى الاستماع إلى كل هؤلاء المؤثرين سياسياً واجتماعياً ودينياً وقبلياً؛ فمن جملة هذه العناصر تأخذ حياة الشعوب معانيها وسماتها الخاصة، وإليها تعود منطلقاتها وتوجهاتها، ومنها يمكن أن تستمد قدراً من الأمل على مواجهة التحديات والمصاعب.