تشير أحدث الدراسات الإعلامية عن علاقة الإعلام بالإرهاب، إلى أنّ النشر الكثيف عن الإرهاب يؤدي إلى مزيد من الإرهاب.. وهذه مقولة قد تصدم الكثير ممن يتعاطى الشأن الإعلامي في كثير من بلدان العالم.. والفكرة الجوهرية في مثل هذه الدراسات تشير إلى أنّ الجماعات الإرهابية تتعطش للإعلام أكثر من أي شيء آخر، وقد لا تكون الأعمال الدموية التي تقوم بها هدفاً بذاته، بل هي وسيلة أساسية في الوصول إلى التغطيات الإعلامية الكبيرة.. كما أنّ الحقيقة الأخرى المؤلمة هي أنّ لدى الجماعات الإرهابية قناعة بأنّه كلّما زادت الدماء التي تسيل، وكلّما كان عدد القتلى كبيراً والجرحى أكبر، أمكن لهم أن يصلوا إلى مبتغاهم من تغطيات إعلامية واسعة لمثل هذه الأحداث.. وأسوق هذا وفي ذهني بشكل مباشر ما يجري في العراق، فتشير مثل هذه الدراسات إلى أنّ الجماعات الإرهابية تسعى إلى الوصول إلى المؤسسات الإعلامية الغربية، ولكنها تعرف أنّ عملاً إرهابياً يسقط فيه اثنان أو ثلاثة أو عشرة لن يسترعي انتباه تلك المؤسسات، ولهذا فالحرص يكون أن تكون هذه الأعمال كبيرة ودموية.. وهذا ما حدا بالقاعدة أن تستهدف مباني بها آلاف الأشخاص، أو تضرب قطارات مدريد أو وسائل النقل في لندن، حيث تستهدف مئات الضحايا..
ويواجه الإعلام أزمة في هذا الوضع، لأنّه يعلم أنّ دوره المحوري هو تغطية ما يدور من أحداث في محيطه المحلي والإقليمي والدولي، ولكنه يعلم أيضاً أنّه كلما عمل على تحقيق هذا الهدف، أرضى غرور الجماعات الإرهابية.. ولكن الخطورة في هذا الموضوع أنّ بعض وسائل الإعلام في كثير من الدول ترحِّب بمثل هذا الوضع القائم لسبب أنّ النشر الواسع عن الأحداث الإرهابية يؤدي إلى مزيد من الأعمال الإرهابية، وهذا بدوره يحقق لوسائل الإعلام نجاحات كبيرة في الانتشار وفي استقطاب الجماهير العريضة من المشاهدين والمستمعين والقراء، ويلحق ذلك تحقيق أرباح كبيرة في المبيعات والإعلانات التي تستثمرها وسائل الإعلام في مثل هذه الظروف..
ولكن يجب الإشارة أيضاً وهذا ما استنتجته مثل هذه الدراسات إلى أنّ مزيداً من العمليات الإرهابية يؤدي أيضاً إلى مزيد من التغطيات الإعلامية، أي أنّ العلاقة تبادلية، تبدأ من الإعلام وتنتهي إلى الإعلام مروراً بعمليات إرهابية.. وأشير هنا بشكل خاص إلى دراسة علمية أوروبية حديثة نُشرت قبل عدّة أسابيع وقام بها باحثان أوروبيان (برونو فري من جامعة زيوريخ السويسرية ودومينيك رونر من جامعة كيمبردج البريطانية) عن العلاقة بين الصحافة - وهي جزء من منظومة الإعلام - وبين العمليات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة من عام 1998م إلى عام 2005م.. ووصل الباحثان إلى نتائج مهمة في هذا الموضوع.. ويضيف الباحثان أنّ دراسات سابقة لم تصل إلى هذا العلاقة السببية في الماضي عندما درست خلال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، ولكن أثبتت الدراسة أنّ السنوات الأخيرة تدعم هذه النظرية، وخاصة فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر..
وفي نقاش حول تداعيات مثل هذه النتائج أشار أحد الباحثين إلى أنّه قد يكون من المناسب طرح فكرة وقف النشر عن الإرهاب في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، فقد تؤدي إلى التأثير على عدم تحقيق الجماعات والمنظمات الإرهابية أهدافها الإعلامية مما قد يقلِّص من حجم هذه العمليات.. وبطبيعة الحال من السهولة القول بذلك، ومن الصعوبة تنفيذه، ويحتاج إلى إرادة إعلامية كبيرة وواسعة.. ولكن مثل هذا التوجُّه قد يصطدم في نظري بعقبتين أساسيتين، هما:
1- رفض كثير من وسائل الإعلام لمثل هذا الاقتراح، نظراً لأنّها تسترزق من شعبيتها في التغطيات للأحداث الإرهابية.. وتوقُّفها عن متابعة مثل هذه التغطيات يؤدي حتماً إلى تقلُّص دورها الإعلامي.. وهنا أقصد بالتحديد نوعين من وسائل الإعلام: (أ) القنوات الإعلامية الشعبية التي تعتمد على الإعلان ستجد أنّ مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى خسارات فادحة في إيراداتها البيعية أو الإعلانية.. وتحديداً صحافة ومحطات التابلويد في أوروبا وأمريكا.. (ب) القنوات المسيّسة في العالم وخاصة في العالم العربي، وتحديداً قناة الجزيرة كمثال على ذلك، ستقف ضد مثل هذا الإجراء لأنّها تمتلك أجندة سياسية تعتمد عليها في نشر الفكر الإرهابي في العالم والمنطقة العربية بشكل خاص.. وتهدف إلى إثارة فتن وتقويض سياسات بعض الدول المتضررة بالإرهاب.. وما بثّ أشرطة بن لادن والظواهري وإفراد نشرات الأخبار وبرامج خاصة واستدراج تعليقات واسعة عليها، إلاّ نموذج في هذا الاتجاه التسيسي لمثل هذا القناة وغيرها.. ولهذا فمن المتوقع أن تقف ضد مثل هذه الخطوة..
2- صعوبة السيطرة على تدفُّقات الأخبار والتغطيات من غير مصادرها الإعلامية، وتحديداً الإنترنت، حيث سيلعب دوراً بديلاً لوسائل الإعلام التقليدية من صحافة وإذاعة وتلفزيون..
وعلى الرغم من هذه الصعوبات إلاّ أنّ فكرة تحجيم تغطيات العمليات الإرهابية قد يؤدي إلى نتائج إيجابية في نظري.. وهذا الموضوع يستحق وقفة متأنية وصادقة وموضوعية من قِبل المؤسسات الإعلامية، ومن أصحاب الشأن الإعلامي ومسئولي الكلمة والصورة والصوت في سماء المنطقة على أقل تقدير.. ونحن هنا ندعو للاقتصاد في الأحبار (الحبر رمزية عن النشر والبث الإعلامي عن العمليات الإرهابية)، لأنّها ستخفض حجم الدماء التي تسيل في كثير من العواصم والمدن العربية بسبب العمليات الإرهابية..
رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للإعلام والاتصال - أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الملك سعود |