في بيت الله الحرام ينسى الإنسان الدنيا وكل ما فيها من مغريات وملهيات، بل إن برنامجه اليومي يتحول إلى ما لم يعتد عليه، وما لم يقو عليه في سائر أيامه، يتفرغ لعباداته، تصفو نفسه، وتعلو روحه، هذا راكع وذاك ساجد، هذا قارئ للقرآن وذاك رافع يديه بالدعاء، هؤلاء يسعون وأولئك يطوفون، حلقة ذكر هنا وحلقة ذكر هناك، الكل في عبادة وتعبد.
في بيت الله ونحن في انتظار صلاة العصر، وكان إلى جانبي رجل وقور من بلاد الشام، يقرأ القرآن بخشوع وخضوع عكرهما قدم شاب مر مستعجلاً بيني وبين هذا الرجل، فإذا بقدم هذا الشاب تتعثر في كتف الرجل الذي أبدى امتعاضاً وضيقاً مما حصل، وعزز هذا أن الشاب لم يأبه بما حصل بل واصل سيره إلى حلقة الذكر ولم يعتذر ولم يبد أسفاً لما حصل منه.
قال الرجل عجباً منكم أهل هذه البلاد، لقد طفت الأرض شرقاً وغرباً ولم أجد أكثر منكم غلظة وفظاظة، واستشهد بتلك الحادثة، قلت له ليس من الإنصاف والعدل يا أخي الكريم أن تعمم من هذه الحادثة التي استنكرها وأبدي أسفي وامتعاضي منها على كل أهل هذه البلاد، فرد أنا لست غريباً عن هذه البلاد عمرها الله بالإيمان والأمان، ولم تكن هذه المرة الأولى التي أتعرض فيها لمثل ذلك بل إنني أشاهدها تقع على غيري، ومصداقاً لكلامي هذا ما عليك إلا أن تراقب لبرهة فقط ولسوف تشاهد ما يعزز كلامي ويؤكده.
هذه حالنا في أعين الآخرين، وربما لديهم ما هو أشد من هذا وأسوأ، وعندما نرى أنفسنا نراها بعين الرضا، بل بعين الكمال والتمام، وإننا من أعرف الناس قاطبة بهذا الدين الكريم وقيمه وآدابه، بينما واقع الحال ينبئ بقصور فيما نظنه كمالاً وتماماً.
دعونا نقف عند حالة هذا الشاب - ومثله كثير - هذا الشاب في بداية عقده الثالث، وبالتالي لا بد وأنه علم بحال ذاك الرجل الذي جاء يوم الجمعة متأخراً والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب، وصار يتخطى رقاب الناس، فتوقف الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخطبة ونبه الرجل (لقد آنيت وآذيت) ونهاه عن هذا الفعل الذي آذى به إخوانه الذين أتوا مبكرين للصلاة، فهذا الشاب ألم يعرف التوجيه النبوي الكريم؟ حتماً سبق أن علم به، لماذا لم يتأس به ويلتزم، ما قيمة أن نعرف ولا نترجم هذه المعرفة إلى عمل وسلوك، فحري بهذا الشاب أن يكف عما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو تخطي الرقاب وما يترتب عليها من إيذاء وإهانة، ثم لماذا لم يعتذر من الرجل وقد آذاه؟ لماذا لم يبد له أسفه وأنه لم يقصد هذا؟ لو فعل ذلك لخفف من درجة الحنق والغيظ في أخينا الزائر بيت الله الحرام، وهذا من حقه، لكنه الفشل الذريع في سلوكات البعض مما ولد انطباعاً لا نستحقه، لأننا نمتلك مخزوناً هائلاً من القيم والآداب والأخلاق الإسلامية التي أخشى أن تكون معرفتنا لها لا تتجاوز التشدق بها ليس إلا.
|