يمر اليوم الوطني بالبلاد وأهلها مطلع كل عام شمسي، ويتذكر الناس المؤسس الذي أنقذ العباد ووحد البلاد، ويدعون له بالمغفرة والمثوبة، ويعرفون شيئا عن مجريات الأحداث الجسام التي صنعت الأمجاد، وتخطت بهذا الكيان إلى عتبات التاريخ، ويقولون فيه كلمات وقصائد، ثم لا يتلبث الناس في أفراحه إلا قليلا، ويمضي اليوم بانتظار يوم جديد، لنعيد القول ذاته والتمجيد عينه. ولكننا لا نتحلحل خطوة واحدة في سبيل الاستقامة على الحق، وتحقيق المواطنة السليمة. ويقيني أن البر ليس في رفع الشعارات، فالناس يحبون وطنهم، ويحبون الرجال الأوفياء الذين صنعوا الذكرى، ذكرى التوحيد، ولكنهم أحوج ما يكونون إلى ترجمة هذا الحب، وتحويله من شعور نفسي إلى ممارسة عملية.
وفي الحديث (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) ومن حقنا أن نقول: لا يغش أحد وطنه حين يغشه وهو مواطن.
لقد عايشنا إنجازات مذهلة ومواطنة حقة نحمد الله عليها، ولكننا في الوقت نفسه عايشنا تجاوزات من مقصرين من كافة شرائح المجتمع، لا يمكن القبول بها، ولا السكوت عليها، ولقد سمعنا مطالبات ملحة بالحقوق، ولم نسمع أي مطالبة بالواجبات، كل الناس يجترون ما لهم، ولا يتذكرون ما عليهم، إن المواطنة كما الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل ناصح لمصلحة الوطن في دنياه وأخراه.
وإذا كان الدين النصيحة فإن مواجهة المقصرين بحق وطنهم جزء من المواطنة، وهو كل مادة اليوم الوطني. فهل واجهنا أنفسنا فضلا عن مواجهة من قصر بحق وطنه؟
لقد شاعت اللامبالاة، واستفحلت الأثرة والنفعية، وامتد الاسترخاء، حتى أصبح بعض المواطنين اتكاليين يعتمدون على غيرهم، ليصنع لهم كل شيء أو كادوا، وكلما أرادت الدولة سعودة القطاعات تصدت لها المعارضات مدللة بعجز المواطن عن تحمل كافة المسؤوليات.
ولقد سمعت ورأيت الكثير الكثير من السلبيات التي لا تحتاج إلى مزيد ولا إلى إثبات، ومما علق في الذهن عن ويلات الحروب ما قاله أحد وزراء التموين في البلاد الأوروبية أثناء الحرب العالمية موبخا المواطنين:
إنني لكي أقنن استهلاك (البيض) أحتاج إلى رقيب على باب كل عمارة. وغيري لا يحتاج إلا كلمة واحدة يطلقها ليكف الناس عن استغلال المواد الغذائية، وأحسب أن التفلت على الأنظمة والتعليمات واستغلال فجوات الضوابط قادح في المواطنة.
وحق الوطن علينا ونحن نعيش أعز الذكريات أن نوفيه حقه، وحقه أن نكون عينه التي يبصر بها، فلا يغدر به أحد، وسمعه الذي يسمع به فلا يمس سمعته أحد، ويده التي يبطش بها فلا يعتدي عليه أحد.
الوطن مجموعة قيم فإذا نقصت نقصت المواطنة، السارقون والمرتشون والمتحايلون على الأنظمة والمواطئون للمفسدين والمتسترون على المنحرفين والمتعاطفون مع الضالين والمؤوون للمحدثين كل أولئك بحاجة إلى مراجعة النفس، لتكون المواطنة كما يجب أن تكون، وإن لم نفعل تحول اليوم الوطني إلى مجموعة من الشعارات الزائفة.
إن الزمن عصيب والفتن قائمة، والبلاد مستهدفة في أمنها واستقرارها وعقيدتها وسائر مقوماتها، وواجبنا أن نعيد قراءة واقعنا، وأن نعرف حجم الخسارة إذا استحوذ علينا شيطان الاتكالية.
إن مسؤوليتنا في زمن الاضطرابات الفكرية والسياسية تتضاعف وتتأكد، واليوم الوطني محطة نحاسب فيها أنفسنا ونقوّم عطاءنا، ونتعهد مؤسساتنا. فماذا أعطينا لوطننا، وقد منحنا الشيء الكثير؟ وماذا أعطينا لقادتنا فكريا وسياسيا، وقد بذلوا ما في وسعهم؟
دعونا نعطي اليوم الوطني نكهة خاصة، نشعر فيه بتقصيرنا وتخاذلنا وسعينا إلى القطيعة فيما بيننا، دعونا نأطر أنفسنا على التسامح والتكتم والتكتل والارتداد إلى الداخل لإصلاح بيتنا السعودي.
ومع كل المرارات نبتهل إلى الله العلي القدير سائلينه أن يدرأ عن البلاد والعباد شر الأشرار، وأن يحفظ قادتها من كل سوء، وأن يعصمهم من شرار الخلق فهو القادر والقاهر فوق عباده، والوطن الذي يسكن شغاف القلب بمقدساته ورموزه وعطائه، يتجدد حبه في كل ذكرى سعيدة، وهل هناك أسعد من أن نتذكر اليوم التاريخي الذي أعلن فيه المؤسس العظيم الملك عبد العزيز اسم (المملكة العربية السعودية).
د. حسن بن فهد الهويمل رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض |