الثالث والعشرون من سبتمبر سيبقى علماً بارزاً على درب المسيرة الخالدة بإذن الله، إن هذه الذكريات بما فيها من كبرياء وعظمة، لهي وليدة مجد، والمجد لا يلد إلا مجداً.. كيف لا؟ والذكريات بين الأيام فريدة عزيزة لها بريق متميز، ووهج ساطع خاص. لقد خاض ذلك البطل الفذ مغامرة بكل ما تعنيه الكلمة من معان، ليرسم بذلك التوفيق الذي وهبه الله جلت قدرته للملك عبدالعزيز رحمه الله أروع معاني المجد، ليؤسس لنا أغلى وطن، وبكل معاني الفخر، والإباء والعزة والكرامة، نسترجع شريط الذكريات لنقلب في سجل الزمن، لنرى أمام أعيننا شريطاً حافلاً بالبطولات، وأروع ملاحم التضحية والفداء التي سطرها أولئك الرجال الأفذاذ بقيادة ذلك الشهم الملك عبدالعزيز، ليعلن بفتحه للرياض بداية الانطلاقة (المُلك لله ثم لعبدالعزيز) إنها ركيزة أساسية بنيت عليها خطط الحاضر والمستقبل، ليصل هذا الوطن المعطاء إلى مصاف الأمم من الازدهار والنماء والرخاء، ليصل إلى يوم توحيد المملكة وهو يوم مشهود بإعلان المملكة العربية السعودية، ليبقى يوماً خالداً مشهوداً لانطلاق مسيرة العمل المتكامل بين القائد والشعب، في ملحمة تسعى إلى ترسيخ ثوابت الاستقرار، والأمن والسلام على تراب هذا الوطن العزيز.
لقد كان فخراً جديداً، وانطلاقة لعهد زاخر ومسيرة خيرة تبني وتعمر وتحقق إنجازات هائلة في مختلف المجالات، جعلت من المملكة العربية السعودية دولة عصرية بكل ما تعني هذه الكلمة من مقاييس حضارية.
لقد أشرقت على بلادنا شمس (76) من عمر نهضتها المباركة السادس والسبعين ربيعاً مزدهراً بالأمن والأمان والعطاء والرخاء وشمخت فوق أرض الأمجاد خلالها صروح عظيمة تروي للحاضر والمستقبل ملحمة من الكفاح بتضحيات جسام كما أسلفت وهمة عالية وعزيمة باسلة انضوى الجميع وراءها تحت راية التوحيد الخالدة (لا إله إلا الله، محمداً رسول الله).
لقد أنعم الله على هذه البلاد بخصال عظيمة حيث شرفها بأطهر البقاع، وسخر لها قادة شرفاء، جعلوا من خدمة الحرمين الشريفين مطمحاً لكل واحد فيهم تنافسوا على هذا الشرف بكل معاني الرجولة، كما شرف الله شعبها بخدمة ضيوف الرحمن، ولقد أعز الله قواتها المسلحة بكل عزة وإصرار لحماية هذا المجد والحفاظ على هذه الإنجازات الكبيرة التي تحققت خلال سنوات النهضة المباركة، التي شملت مختلف مناحي الحياة، حين واكبت القوات المسلحة السعودية هذه الإنجازات بدعم قوي لصرح متين لتبقى قوة داعمة لجهود التنمية.
إن القوات المسلحة العربية السعودية لهي الحارس الأمين، والدرع الحصين لهذا الوطن وترابه الغالي بعد توفيق الله وتسديده، فالتنمية تحتاج دائماً إلى من يهيئ لها سبل الأمن والاستقرار ويحافظ عليها لتبقى في نمو وازدهار، وبالإضافة إلى هذا الدور المشرف فإن القوات المسلحة السعودية تشارك وتعمل جاهدة في جهود التنمية المباركة، انطلاقاً من مبدأ يد تبني ويد تحمل السلاح، فهذه الأمانة حملها رجال القوات المسلحة السعودية، منذ بزوغ فجر النهضة المباركة ومازالوا وسيبقوا دائماً وأبداً مسلحين برؤية القيادة الحكيمة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز القائد الأعلى لكافة القوات العسكرية، يسانده ويساعده في ذلك سنده الأمين ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع والطيران والمفتش العام حفظهما الله.
لقد خاضت القوات المسلحة السعودية غمار التنمية وشاركت فيها بكل عزيمة وإصرار من خلال بناء المدن العسكرية، والمساهمة في إنشاء مدن متكاملة، وقواعد وأساطيل ساهمت هي بدورها في تنمية مدن ومناطق بأكملها، أضف إلى ذلك ما شهده القطاع الهندسي من تطور وتنمية أصبحت شاهداً على الخطوات العملاقة التي تشهدها بلادنا الغالية في مجالات التنمية، ناهيك عن الخدمات الطبية للقوات المسلحة التي وبفضل من الله ساهمت في بناء (26) مستشفى متكامل ومتطور، شهد الأعم الأغلب منها جراحات متقدمة في مجالات زراعة القلب، والكبد، والكلى، وغيرها، ما جعلها محجاً ويتطلع إلى العلاج فيها كافة شرائح المجتمع.
ولا أخفي القارئ سراً إن قلت إن إحدى هذه المستشفيات تضم في أرشيفها مليون ملف طبي لأناس يترددون عليها. والأرقام لا تكذب الحقائق، هذا إضافة إلى (126) مستوصفاً تابعاً للخدمات الطبية تقدم خدماتها الإنسانية، وماذا نقول عن إدارة الثقافة والتعليم للقوات المسلحة التي تشرف على (157) مدرسة للأبناء بنين وبنات يَدرس بها (69370) طالباً وطالبة ويُدرس بها (4392) معلماً ومعلمة لتقدم جيلاً مؤمناً بالله متسلحاً بسلاح العلم حتى المرحلة الجامعية، ناهيك عن إنشاء خمس كليات عسكرية تمنح درجة البكالوريوس، وواحدة تمنح درجة الماجستير في العلوم العسكرية إضافة إلى المدارس والمعاهد العسكرية المتخصصة لتساهم في إعداد كوادر بشرية شابة على مستوى عالٍ لتكون قادرة على تحمل مسؤولياتها واستيعاب كل ما تفرزه الصناعات العسكرية الحديثة في مجال التسليح.
إن تنمية الرجال في أعلى سلم الأولويات باعتبار الرجال هم الركيزة الأساسية ويعد وفاؤهم وإخلاصهم نبراساً يضيء الدرب إلى العزة والكرامة؛ فهؤلاء الرجال الذين يحرسون البلاد في البر والجو والبحر يساندهم رجال الدفاع الجوي، ويسهرون على أمن الوطن والذود عن مقدساته سيبقون يحملون على عاتقهم هذه المسؤولية الوطنية وشرف المحافظة عليها دائماً وأبداً.
(*) رئيس هيئة الأركان العامة |