إن اللعبة التي يهواها ويمارسها الرؤساء الأمريكيون تتمثل في القضية الفلسطينية التي أصبحت مثل الدورات أو المسابقات الرياضية. يتم التنافس عليها كل أربع سنوات، كما هي الحال بالنسبة لكأس العالم وكؤوس القارات والدورات الأولمبية أو كل عامين كما هي الحال بالنسبة لكأس مجلس التعاون لدول الخليج. إلا إن هذه الدورات الرياضية يتم التهيئة لها خلال السنوات الأربع أو الاثنتين التي تفصل بين كل دورة وأخرى وتصرف على كل منها مئات الملايين من الدولارات.
هذه المبالغ تصرف على الدراسات والاستشارات والإنشاءات وتحضير اللاعبين والمدربين والحكام وغيرها من الاستعدادات لكي تظهر الدورة بصورة ناجحة ويقطف كل فريق ما يستطيع من النجاحات التي تترتب عليها ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية أو مبالغ مالية أو الاثنين معاً.
إلا أن لعبة القضية الفلسطينية رغم التشابه أحيانا في الفوارق الزمنية بين الاهتمام بها فإنها لعبة تسلية من العيار الثقيل. بل يمكن تسميتها بلعبة الدم وفيها شبه من لعبة المصارعة الرومانية القديمة التي كانت تمارس على الحلبات الصخرية الرومانية الشبيهة بحلبات مصارعة الثيران التي لا بد أن تنتهي بمصرع الثور أقصد مصرع الإنسان في الحلبة الرومانية الذي لم يكن هناك فارق في موته ومصرع الثور في البلازا تورو هذه الأيام في إسبانيا بشكل خاص ودول أمريكا الجنوبية بشكل عام.
تم التلاعب بالقضية الفلسطينية بين المعسكرين الشرقي والغربي منذ سلب هذا الوطن وربما أسهم ذلك اللعب جزئيا في بقائها واستمرارها في الحياة أي أنه رب ضارة نافعة. قامت ستة حروب (48-56-67-73-82- 2006 والكيان الصهيوني يتكهن بحرب سابعة عام 2007 وبالتحديد على لبنان وربما تشمل سوريا).
كل تلك الحروب بسبب أو من أجل هذه القضية. جرب كل معسكر سلاحه من خلال الدول العربية ومن خلال الكيان الصهيوني ولم يتفوق سلاح المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفيتي سابقا) في حرب من الحروب على سلاح المعسكر الغربي (الولايات المتحدة).
ورغم أنه لم يكن هناك أي من المنتصرين في تلك الحروب ورغم كسب الكيان الصهيوني للكثير من هذه الحروب إلا أن الأمن الذي ينشده الكيان الصهيوني لم يتحقق وأن الرفض العربي والإسلامي والفلسطيني مستمر لهذا التواجد والظلم والعدوان والغطرسة والبلطجة الصهيونية المدعومة من الولايات المتحدة.
على كل حال توالت المشاريع لحل هذه القضية بدءا بالتقسيم عام 1948م مرورا بمشروع روجرز وانتهاء باتفاقيات أوسلو وما ترتب عليها والتي من ضمنها خارطة الطريق.
لقد تغيرت قوانين اللعبة بالقضية الفلسطينية، فبدلا من حلها من الناحية الظاهرية بليِّ الذراع وتجريب الأسلحة لكل من المعسكرين وتوتير العلاقات بين الدول العربية وذلك حسب انتمائها لهذا المعسكر أو ذاك من الناحية الفعلية، فإن القضية الفلسطينية أصبحت تلعب من أجل التحالف والقيام بمزيد من الاستيلاء والاحتلال أو القمع لبلد عربي أو بلد مسلم، ولعل تسلسل الأحداث التالية يبين ذلك بوضوح أكثر.
بعد انهيار قطب رئيس من أقطاب القوة العالمية والمتمثل فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي كان لا بد للولايات المتحدة أن تصبح متميزة بشكل أو بآخر على مستوى العالم. والتميز هذا يقتضي القيادة والريادة لهذا العالم. وهذه القيادة تقتضي أن يكون هناك دور بارز للولايات المتحدة ودور خارق لا يستطيع غيرها القيام به لكي تثبت للعالم استحقاقها هذا الدور، ومن المفترض أن يكون ذلك الدور إيجابيا للعالم وللولايات المتحدة نفسها ولكن سير الأحداث أثبت سلبية ذلك الدور حتى الآن.
هذا الدور لم يكن ليتحقق لأمريكا بقوة الاقتصاد، لأن هناك دول منافسة لها في القوة في هذا الجانب مثل اليابان والصين وألمانيا وغيرها من الدول ولم يكن ليتحقق بغزو الفضاء، لأن هناك من يشاركها فيه وإن تكن هي رائدة في هذا المجال. ولم يكن ليتحقق من خلال نشر مبادئ الحرية والديمقراطية لأن هناك من هو أقدم في تطبيق الحريات والديمقراطيات. ولكن لم تغفل الولايات المتحدة هذا الشعار الرنان لاستخدامه لتحقيق أهدافها ولكن استخدامه ضمن إطار مقولة (كلمة حق أريد بها باطلا).
لم يخطر خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة على بال ساسة الولايات المتحدة لكي تبرز على مستوى العالم سوى اللجوء لاستعراض عضلاتها العسكرية واحتلال بلدان جديدة، أي خلق امبراطورية جديدة. وكان لا بد لها أن توجد عدوا جديدا تبدأ الصراع معه ليتم من خلاله بسط سيطرتها على العالم.
وكان هذا العدو جاهزا نسبيا حيث عملت أمريكا على تجهيزه وشحنه بشكل أكبر. هذا العدو تمثل في الكراهية للسياسة الأمريكية في المجتمعات العربية والإسلامية بسبب الانحياز للعدو الصهيوني والانحياز لممارساته القمعية.
ولدت هذه الكراهية منظمات كان هدفها الوقوف ضد الاستعمار واحتلال الأرض.
إن الدفاع عن الأرض ضد العدوان عليها واحتلالها حق تكفله كل الشرائع وحصل في كل بقاع الدنيا وتحرر الكثير من الدول المستعمرة من خلال المقاومة والأمثلة على ذلك كثيرة لا داعي لسردها.
كما ولدت هذه الكراهية أنظمة معارضة بشكل قوي لسياسة الولايات المتحدة كما هي الحال بالنسبة للعراق وإيران وسوريا وفنزويلا وغيرها كثير.
كما أن سياسة الولايات المتحدة ولدت الفتور في العلاقة من قبل بعض الأنظمة العربية التي تحسب على أنها صديقة للولايات المتحدة مثل دول الخليج ومصر وباكستان وغيرها.
وجدت الولايات المتحدة الفرصة سانحة للبدء في إيجاد موطئ قدم عسكري لها في الوطن العربي وذلك لتهيئة بسط نفوذها وذلك بعد أن غزا النظام العراقي الكويت عام 1990م.
عقد مؤتمر مدريد بعد إخراج الجيش العراقي من الكويت وتلاه اتفاقية أوسلو وعادت منظمة التحرير الفلسطينية وتخلى العرب عن أوراق اللعبة جميعها ألا وهي عدم الاعتراف بإسرائيل والذي اعترفت به منظمة التحرير والمقاطعة الاقتصادية لكل الشركات التي تتعامل مع الكيان الصهيوني والتي تخلت عنها الدول العربية. وكان مقابل ذلك تراجع أمريكا والقيادات الصهيونية عن كل اتفاق مع الفلسطينيين وزاد التنكيل والتقتيل والحصار للفلسطينيين.
وكانت هذه هي الخديعة الأولى للعرب من خلال اللعب بالقضية الفلسطينية من أجل البطش بالعراق. مجرد وعود لم يتحقق من خلالها رفع معاناة الشعب الفلسطيني وحل قضيته وإنما ترتب عليها مزيد من القمع والإذلال. اتفاقيات تعقد ثم تنقض ويؤتى بشروط تعجيزية جديدة على الفلسطينيين ودائما يلقى باللوم عليهم في أنهم لم ينفذوا ما طلب منهم.
بدأت معاناة شعب عربي آخر هو العراق منذ عام 1991م من خلال الولايات المتحدة التي أوقفت الحرب على العراق بعد أن وافق العراق على التفتيش على أسلحة الدمار الشامل التي زعمت أمريكا بوجودها. استخدمت أمريكا كل نفوذها في الأمم المتحدة ومع الدول الصديقة في العمل على كل ما من شأنه تدمير العراق شعبا وحضارة وسيادة. وسعت خلال سنوات الحصار التي استمرت 12 سنة على العمل على إذلال الشعب العراقي وتجويعه وتركعيه من خلال الحصار الجائر وفرض الشروط المجحفة على العراق. لقد تسبب ذلك الحصار والجور والظلم في وفاة أكثر من نصف مليون طفل بالإضافة إلى التراجع في كل نواحي التنمية ولم يرمش جفن لمادلين اولبريت وزيرة الخارجية الأمريكية التي قالت بما مفهومه: إن ذلك لا يهم الولايات المتحدة في شيء طالما لم يلتزم العراق بمطالب الأمم المتحدة.
إن كل تلك الممارسات الأمريكية وتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق من خلال دوائر العرض ومنع السلطات العراقية من فرض سيادتها على أرضها، رسخ الكراهية للولايات المتحدة وزاد أعداد المنظمات والأفراد الحاقدين والناقمين وفي أضعف درجة الكارهين لسياسة الولايات المتحدة.
أثناء ذلك الحصار على العراق نمت وترعرعت حركة طالبان بعد أن تم طرد الروس وبطبيعة الكراهية للمد الشيوعي كان للمخابرات الأمريكية وللدول الكارهة للمد الشيوعي دور في دعم المقاومة وحركة الجهاد ضد الروس في أفغانستان، وعندما ترك المجاهدون بمفردهم في أفغانستان دون الاهتمام باحتوائهم ربما لأسباب أمنية.
فقد قاد هذا الوضع إلى بداية تشكيل تنظيم القاعدة الذي جاء في فترة لاحقة بعد خروج الروس على ما يبدو لأن أفرادها كانوا ضمن ما يعرف بالمجاهدين أو بالأفغان العرب. وبعد بدء الاقتتال بين الأفغان انضمت القاعدة مع طالبان ضد تحالف دوستم وشاه مسعود. ويبدو أن الضغوط والخوف من بناظير بوتو أن تفتك بهم دفعت بأعداد من أفراد القاعدة وقيادييها إلى الذهاب إلى السودان.
إلا أنهم عادوا أدراجهم إلى أفغانستان بعد أن بدأ تضييق الخناق على قيادات القاعدة في السودان.
بدأ التوتر يزداد بين القاعدة وأمريكا وصدرت التهديدات من القاعدة بضرب الأمريكيين في كل مكان وفجرت السفارتان الأمريكيتان في دار السلام ونيروبي عام 1998م وذهب ضحية تلك التفجيرات مئات الأبرياء. وردت الولايات المتحدة مباشرة بضرب مصنع الأدوية في الخرطوم ومراكز للقاعدة في أفغانستان بصواريخ توما هوك. وضربت المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن من قبل عناصر من أفراد القاعدة وبعدها ضربت سفينة فرنسية.
|