لأني فكرت في الكتابة عنهم، ساقت الأقدار أحدهم في طريقي:
فتذكّرت كم كنت أخاف منه وأنا طفلة صغيرة، قبل أن تضمني العباءة تحت جناحها، حيث كنت أراه في كل مكان أذهب إليه، وكم كان يتملّكني الخوف وأنا أشعر به يتبعني وأنا ذاهبة إلى (البقالة) القريبة من منزلنا، فقد كنت استتر منه خلف الأشياء الموجودة في (البقالة) واسترق النظر إليه في رعب، ويده تمتد نحو ما يريد فيأخذه ويخرج مسرعاً!
ولكني الآن لا أخاف منهم، بل أشفق عليهم، وأسال عنهم إذا مرَّ يوم ولم أشاهدهم في طريقي! هو ذا.. هو بنفس الهيئة والمنظر، نحيل الجسم، حليق الرأس، حافي القدمين، رث الثياب، وقد بدت علامات الشيخوخة ظاهرة على وجهه. يمشي بسرعة أقرب إلى الركض منها إلى المشي، يهذي بعبارات لا أفهم منها شيئاً! إنسان هكذا أراه، ولكن هل يرانا كذلك؟
أيعقل أن نحمل هذه التسمية، ونحن نراه وأمثاله يجوبون الشوارع ليلاً ونهاراً، ولا نفعل شيئاً من أجلهم؟! كل الأشياء تتغيّر إلا هم، كما هم، لا يتغيِّرون، لا تتعب أقدامهم من المسير!!
أين ينامون، ومتى ينامون؟ لا أحد يدري، وربما لا أحد يفكر في ذلك!
تجدهم في كل الأوقات، وأنَّى اتجهت يكتبون بخطواتهم فصول مأساة لا تنتهي، مأساة حقيقة تبقى دليلاً حياً، شاهداً على قسوة البشر!
أولئك هم المجانين!
وفي بلدي، مجانين لا يهتم لهم أحد.
منذ سنوات طويلة وهذا حالهم يشهد بتقصير الجميع، علماء الشريعة، ورجال الدولة، ودور الرعاية، والمواطنين، الجميع مقصِّر تجاه هؤلاء المساكين!
أيعقل أن يكون من أبناء بلدي فئة لا مأوى لهم، يجوبون الشوارع ليلاً ونهاراً، فمن يهتم بشأنهم، من لهم، من لهم، من لهم؟
|