لربما سلم القيم التي نتبناها، وتندرج أولويتنا تحتها هي التي تجعل صيحات التّذمر والتّشكي تصطخب مع دخول شهر رمضان الكريم في كل عام تبرُّماً من انتظامنا في الدوام الرسمي سواء كعمل أو دراسة، فالجميع يتوقع من خلال سلم القيم التي يتخذ العمل فيها مكاناً متدنياً للغاية، أن يتحوَّل رمضان إلى شهر طويل من الخمول والكسل وعدم الإنتاجية.. بل الكثير قد يجد فيه ملاذاً للهروب من متطلبات الانضباط اليومي في الدوام.. فالدوام يتطلَّب عادة طاقات كبيرة وترويضاً للنفس مع إحساس بالمسؤولية يجب أن يتمتع به من هم في سوق العمل، حتى نصل إلى صيغة اجتماعية واضحة من ثقافة المسؤولية وتقدير العمل، تلك الثقافة وحدها تستطيع أن تفعِّل قطاع العمل وتأخذه إلى مستوى معقول من الإنتاجية.
فهل نحن الدولة الإسلامية الوحيدة التي يتغيَّر دوام دوائرها الرسمية مع دخول شهر رمضان؟
وحتى الآن لم أتوصل للجدوى من وراء تأخير الدوام حتى العاشرة صباحاً؟؟
ولو قاربنا هذا الموضوع على المستوى الجسدي كمدخل نجد أن ساعات الصباح الأولى هي التي يكون الجسم فيها على المستوى الفيزيولوجي ما برح محتفظاً بطاقته والدماغ لم يستهلك جميع جلوكوز الجسم، وما برح قادراً على الإنتاجية بصورة موازية للأيام العادية سواء كان للطلاب أم الموظفين أو العمال.
وكأننا هنا نبث رسالة للإعلام من حولنا بأن العمل يتعارض ويتقاطع مع العبادة، في حين أن العمل هو أسمى وأروع تجليات العبادة وعمار الكون من حولنا، والصيحات التي تصل إلى حدّ التوسُّلات التي نسمعها من حولنا قبل دخول شهر رمضان (لا سيما على صفحات الجرائد) تصر على تخفيض الدوام بحجة التّفرغ للعبادة، ولا أدري هنا كيف تتقاطع العبادة مع العمل؟
أم تراها أحد مبررات الكسل والخمول لدينا وعدم القدرة على ترويض الجسد وشهواته التي هي أصل العبادة في رمضان، أو لربما إحدى الذرائع التي يتخفى خلفها الخمول على اعتبار أن العمل كقيمة إنسانية عظمى غير مدرج في أولويات من يُطالب بتقليص ساعات الدوام وتضخيم الإجازة الرسمية.
مع الدوام الحالي باتت تلك السويعات القصيرة التي تسبق الإفطار عادة وهي الوقت الذي يستطيع أن يصل فيه الصائم إلى درجة من الروحانية بعد أن يكون الجسد قد تخلص من جميع إنزيمات الهضم، واستطاع أن يتصعَّد في ذلك المجال الروحاني الشفيف، تصبح تلك الفترة على الغالب محاصرة بهدير الخروج من الدوام وازدحام الطرقات، والأعصاب المنفلتة من عقالها باتجاه الآخرين، وسباق قطع إشارات المرور، وجميع المهرجانات التي نراها كل عصر.
أعتقد أن نظام تغيير الدوام الرسمي في رمضان يجب أن يُراجع، أو أن تُعاد دراسته على الأقل، ويجب أن لا يُقصى سيد الشهور عن مجالات العمل والعطاء والانضباط بل يجب أن يبقى ميداناً تتجلى فيه العبادة بجميع أشكالها.
|