في المحيط الدولي العام تظهر سطوة أمريكية اصطلح على تسميتها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وجعلت هذه القطبية الأحادية من غير الممكن تمرير مشاريع سياسية عديدة يتطلب تمريرها أن تكون هناك دولة عظمى أخرى تستطيع التصدي ومواجهة اعتراض الدولة القوية مثلما كان عليه الحال أيام الاتحاد السوفيتي.
القمة الألمانية - الروسية - الفرنسية التي انعقدت مطلع الأسبوع الجاري أعادت شيئا من ملامح تلك الفترة، فهي تحاول التصدي لمشكلات دولية مثل الملف النووي الإيراني لكنها تعلن أهمية اتباع منهج اكثر دبلوماسية في التصدي للمشكلات الدولية، وهو منهج يتوخى الابتعاد حتى عن أسلوب العقوبات، كما تحدثت القمة الثلاثية عن أن الأسلوب السلمي ينبغي أن يكون هو السائد في سائر المعالجات للأزمات الدولية.
ومن الواضح أن التجمع الألماني الفرنسي الروسي يحاول خلق عالم أكثر توازنا، كما أن التلميحات لا توفر الإشارة الضمنية للولايات المتحدة، فهي المعنية عندما يعلن أقطاب القمة الذين التقوا يوم السبت في كومبانييه بفرنسا انحيازهم للوسائل السلمية، في مقابل أسلوب القوة وتجيش الجيوش الذي طبع التحرك الأمريكي على الساحة الدولية.
ومن المؤكد أن ظهورا دوليا بهذا الشكل الكبير مثل القمة الثلاثية ادعى لاستقطاب الاهتمامات خصوصا إزاء المعارضة الواسعة النطاق التي تلاقيها السياسات الأمريكية في مجمل أنحاء العالم، فهناك تطلع أكيد إلى ما يوقف هذا الانجراف المتسارع نحو استخدام القوة العسكرية، وهناك تخوف شديد من أن يؤدي مثل هذا الاستخدام المفرط للقوة، مثلما يحدث في العراق على سبيل المثال، إلى تعقيد في الأوضاع الدولية اكثر مما هو الحال عليه حاليا.. غير أن التخوف الأكبر هو أن يتم الزج بهذه القوة في مواقع حساسة مثل المنشآت النووية، وهو الأمر الذي يتردد كثيرا خصوصا عند الحديث عن الملف النووي الإيراني.
ففي هذا المقام تحديدا تنبري إسرائيل للأمر وتعد، بل هي أعدت بالفعل، تحت مظلة التهديدات الأمريكية، خططا لضرب المفاعلات النووية الإيرانية، وهي تترقب بتلهف نتائج المفاوضات الجارية في أكثر من عاصمة، وتأمل أن تفشل هذه المفاوضات، ومن ثم تجد (الذريعة) المناسبة لمهاجمة المفاعلات النووية الإيرانية.
ولإسرائيل تجربة في هذه المقام تتمثل في ضربها قبل عدة عقود من الزمان مفاعل تموز العراقي، وهي بالتأكيد تتحرق شوقا لتكرار التجربة في ظروف دولية مواتية، وفي إطار استراتيجيتها الرامية لإزالة أي قوة تشكل لها أدنى تهديد.
وبسبب هذه الاحتمالات التي قد تكون مريعة ووخيمة ليس على إيران فقط بل وعلى كامل المنطقة الخليجية المجاورة فإن الجميع في الخليج وفي أوروبا في أنحاء العالم يأملون في معالجات اقل حدة.
ولهذا فإن القمة الثلاثية عندما تركز على ضرورة التسويات السلمية، في عالم ينزلق بشدة نحو العنف، فإنها تجد ترحيبا من الذين يهمهم أن يكون الخيار الأول للمساعي السلمية وعودة العقلانية وصولا إلى عالم أقل توتراً.
|