نعم رمضان. ولابد من رمضان بعد أحد عشر شهرا قضاها المرء في جهاد العيش مستكلب النفس. مستأسد الهوى. متمنر الشهوة ليوقظ روافد الخير في قلبه. ويرهف أحاسيس البر في شعوره، ويرجع روحه إلى منبعها الأزلي الأقدس متبرئا من أوزار الحياة، وتطهر من أوضار المادة، وتتزود من قوى الجمال والحق ما يمسكها العام كله على فتنة الدنيا ومحنة الناس.
فرمضان رياضة للنفس بالتجرد. وثقافة للروح بالتأمل. وتوفيق لما وهي بين القلب والدين. وتقريب لما بعد بين الرفة والمسكين وتأليف ما نفر من الشمل الجميع. وتندية لما يبس من الرحم القريبة. ونفحة من نفحات السماء تفعم دنيا المسلمين بعبير الخلد وأنفاس الملائكة!
ورمضان ثلاثون عيدا من أعياد القلب والروح، يفيض أيامها بالسرور، وتشرق لياليها بالنور. ويفتر مجالسها بالأنس. ففي المدن يغمر الصائمين فيض من الشعور الديني الطيف، يجعلهم بين حموة القلب ونشوة الجسد في حال استغراق في الله، يتأملون أكثر مما يعملون، ويستمعون أكثر مما يتكلمون، فإذا أمسى المساء وفرغوا من الطعام والصلاة انتشروا في المدينة بالبهجة والزينة. فالرجال يحضرون محافل القرآن في البيوت. أو مجالس السمر في المنتديات والنساء يوزعن الوداد على منازل القريبات والصديقات والأطفال يفرحون بأناشيدهم ومصابيحهم الميادين والطرقات. والدور الباقية على العهد تتقرب إلى الله بالذكر والصدقات. والمساجد المقفرة طول العالم تعج بالوعظ والصلوات. والمآذن الحالية بالمصابيح، الشادية بالتسابيح ترسل في أعماق الأبد نور الله وكلمته.
ورمضان مظهر قومي رائع ورمضان بعد ذلك كله رباط اجتماعي وثيق، يؤكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف. وبين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف وبين أهل الله بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميع بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى الوجود قافلة واحدة ممتزجة الروح، متحدة العقيدة متفقة الفكرة، متشابهة النظام متماثلة العيش.
|