اعلم أن المؤمن مأمور بالتفاؤل، الذي هو من أهم عوامل التغلب على مشاكل الحياة. وكم تمنيت أن أتحلى دائما بذلك، غير أن تكسُّر نصال الخطوب الحالَّة بأمتنا على النصال يجعل من الصعب عليّ أن أتخذ التفاؤل خليلا. كان أحد الشعراء الفلسطينيين الكبار قد ألقى قصيدة أمام الملك سعود في زيارته القدس، وخاطبه قائلا:
المسجد الأقصى أجئت تزوره
أم جئت من قبل الضياع تودعه؟
والحديث عن مدينة القدس الشريف - بمسجدها الأقصى وكل ما هو عربي وإسلامي فوق ربوعها - يطول ويطول؛ ذلك أن تفريط أمتنا، وبخاصة قادتها، بحقها واضح جلي، وعدم الجدية في محاولة فك أسرها بيّن غير خفي، فما زال اللهاث خلف سراب المفاوضات، التي ثبت عدم جدواها في الوصول إلى حل يعيد إلى أهل الأرض المحتلة حقوقهم المشروعة، جاريا مشهودا، وما زال مد أكف التسول إلى مجلس الأمن، الذي تسيره إدارة أمريكا المتصهينة كما تشاء وكما يريد حليفها الكيان الصهيوني، مفضَّلا مكرورا.
والسادرون من الحكام ما برحوا
يرجون مَنْ نهب الأوطان واستلبا
لمجلس الأمن قد مدُّوا أكفهم
ساء المؤمل والمأمول منقلبا
هل يفرض المجلس الدولي سلطته
إلا إذا استهدف الإسلام والعربا؟
وكل ما سبق يجيب عن سؤال ذلك الشاعر الفلسطيني إجابة صحيحة. على أن الحديث في هذه المقالة عن بغداد.. دار السلام وعاصمة تلك الخلافة العربية الإسلامية، التي تجلى وجهها العربي الإسلامي حضارة مشرقة عظيمة. أهو الوداع لذلك الوجه العربي الإسلامي؟.
كنت قد نشرت مقالة من أربع حلقات في هذه الصحيفة الغراء، ابتداء من 17-11-1423هـ، بعنوان (مواقف من حرب العدوان على العراق)، وقد أشرت فيها إلى أن من أهداف أمريكا الحقيقية لعدوانها، الذي كان على وشك الارتكاب، السيطرة على ثروات العراق النفطية. وممن أوضح هذا الأمر بجلاء عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، كيفن زيس وذلك في مقالة كتبها، هذا الشهر، بعنوان (النهب باسم آخر)، وسيأتي عرض لهذه المقالة المهمة مستقبلا، إن شاء الله.
وكان مما أشرت إليه في مقالتي أن وزراء خارجية الدول، الذين اجتمعوا في تركيا حينذاك لبلورة موقف تجاه المسألة العراقية، توصلوا إلى بيان من أهم ما فيه: حث حكومة العراق على إبداء مزيد من التعاون مع المفتشين الدوليين للكشف عن أسلحة الدمار التي تمتلكها (هكذا)، وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة وإلا فإنها ستكون المسؤولة عما سيحدث على بلادها.
وقلت: إن ما توصل إليه أولئك الوزراء لا يختلف في جوهره عن موقفي زعماء أمريكا وقادة بريطانيا من عراق كانوا يتحكمون فيه؛ سياسة وثروة. فالوزراء قد استبقوا الحوادث، فرددوا ضمنا ما كان يردده أولئك الزعماء الأمريكيون والقادة البريطانيون من اتهام العراق بأنها تخفي أسلحة دمار شامل، ولم يرفقوا بأنفسهم ويرحموها، فينتظروا حتى يصدر المفتشون الدوليون ما توصلوا إليه.
وقلت، أيضا، في تلك المقالة، إذا ارتكب العدوان، واحتلت العراق، هل سيتبع قادة أمريكا المعتدون المحتلون خطة ذلك اليهودي الداهية، هنري كيسنجر، وزير خارجيتهم الأسبق؛ وهو تقسيم المنطقة العربية على أساس طائفي عرقي؟. إن تقسم العراق - وربما تقسيم بلاد عربية أخرى - على ذلك الأساس أمر محتمل الوقوع. فما موقف دول المنطقة من ذلك العدوان المرتقب؟
إن تلك الدول، وبخاصة العربية منها، تأتي في آخر قائمة من يهتم به ليس لأنها - موقعا وإمكانات - غير مهمة، بل لأنها فاقدة للإرادة بدرجة كبيرة. فهي تقول: إنها ضد الحرب على العراق، لكن أكثرها واقفة عمليا مع من سيقومون بتلك الحرب. فبعضها ستنطلق من أراضيها، برا أو جوا أو كليهما، أقسام من قوات العدوان، ولا أحد يمكن أن يدعي أن هذا يعد حيادا أو منطبقا مع ما يقال من معارضة الحرب.
كان ذلك ما قلته عندما كان العدوان على العراق وشيك الوقوع. ولقد ارتكب ما ارتكب من عدوان قادته إدارة أمريكا المتصهينة مع تابعتها قيادة بريطانيا الحاقدة، وشارك فيه من شارك بطريقة من الطرق كما هو ثابت معلوم.
وكان من نتائج ذلك العدوان الإجرامي وقوع بلاد الرافدين تحت نير احتلال متعجرف متغطرس. وقد نشرت مقالة من ثلاث حلقات أسبوعية في هذه الصحيفة الغراء، ابتداء من 12 -2-1424هـ، بعنوان (على هامش العدوان) وبدأت تلك المقالة بالقول: أعتقد أن كل من لديه شعور صادق بانتمائه إلى الأمة العربية المسلمة قد ذاب قلبه ألما وحسرة عند رؤية ما ارتكبته قوى العدوان على العراق من جرائم التدمير والترويع والتقتيل والإذلال، كما أعتقد أن كل منصف يدرك أن ما قامت به أمريكا وأتباعها ضد العراق عمل عدواني. بل إن مجلس الأمن، الذي تهيمن عليه تلك الدولة المعتدية، لم يجزه. ومع وضوح ذلك - ومن ثم وجوب تسميته بحقيقته - فإن المتزن من أجهزة إعلامنا يسميه (الحرب على العراق) دون أن يصفه بالعدوانية. أما الموتورون المتفانون في محبة أمريكا فلم يكن مستغربا عليهم أن يصفوا ذلك العدوان بأنه عملية تحرير للعراق، بل إنهم ظلوا يسمونه كذلك مع أن المعتدين أنفسهم لم يعودوا يسمونه تحريرا.
لقد رأى الجميع ما حلَّ بالعراق نتيجة الاحتلال الأمريكي المتصهين، الذي كان في طليعة المستفيدين منه الكيان الصهيوني. كان مما ذكره جيمس بيكر، وزير خارجية أمريكا السابق، في مذكراته أن أهم الخدمات التي قدمتها إدارة رئيسه بوش الأب القضاء على قوة العراق، التي كانت تمثل الخطر الإستراتيجي الحقيقي على ذلك الكيان. وفي أثناء العدوان الأخير على ذلك القطر العربي المسلم صرح أحد الجنرالات الصهاينة بأن أمريكا الآن تكمل ما سبق أن أقدمت عليه سنة 1991م من قضاء على قوة العدو الإستراتيجي الحقيقي لدولته. على أن الأمر امتد ليشمل أمورا أخرى بينها القضاء على ثروة العراق العلمية التقنية ممثلة في علمائها الذين ساهموا في تطوير صناعتها الحربية بالذات، ونهب الكثير من المخزون التراثي الحضاري في ربوعها أو تدميره.
وإذا كان الجميع قد رأوا ما حلَّ بالعراق وأهلها على أيدي جلاوزة المحتلين وأعوانهم من جرائم التقتيل والتعذيب والتدمير والنهب فإن أعظم النكبات التي وقعت هناك استشراء الفتن الطائفية والعرقية، التي مهّد لها، وشجع عليها، أولئك المحتلون المجرمون تحقيقا لهدفهم الشرير بتقسيم العراق على أساس طائفي عرقي لينطلق منه إلى بلدان عربية وإسلامية أخرى، منها ما ساعد المعتدين على عدوانهم بطريق مباشر أو غير مباشر.
كان لدى أكراد العراق نزعة انفصالية منذ العهد الملكي في ذلك القطر، لكن لأن حكومة ذلك العهد كانت موالية للغرب تمكنت من إخماد تمرد زعيمهم مصطفى البرزاني، فهرب إلى الاتحاد السوفييتي، ولما عاد بعد ثورة 1958م رمى بثقله مع الشيوعيين الذين أصبحوا قوة مرعبة في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم. وكان من همجية أتباع البرزاني أن دفنوا الناس أحياء في كركوك بعد فشل حركة الشواف في الموصل. ولم يتوان ذلك الزعيم الكردي عن زيارة الكيان الصهيوني في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وإقامة علاقة وطيدة مع ذلك الكيان، استخباراتيا وتدريبيا.
ونتيجة لشل أمريكا حركة الحكومة المركزية العراقية عن شمالي العراق وجنوبيه بعد 1991م تمكن الانفصاليون الأكراد من وضع أسس قوية للانفصال بتدريب صهيوني مباشر داخل منطقهم. ولم يكن غريبا أن تعاونوا مع المعتدين على العراق، وساعدوهم في ارتكاب الجرائم ضد المقاومة العربية السنية لذلك الاحتلال كما حدث في الفلوجة. وقد أصبح شمالي العراق الآن شبه مستقل عن حكومة العراق المركزية وإن كان رئيسها كرديا.
أما عرب العراق فالسنة منهم على العموم قاوموا الاحتلال، والشيعة قاوم منهم من قاوم في بداية الأمر، لكنهم أوقفوا مقاومتهم نزولا عند توجيه مرجعيتهم العليا. وقد أصبح أفراد لواء بدر بالذات، الذين سمح لهم المحتلون بالدخول من إيران بأسلحتهم، في طليعة من يقتلون العرب السنة على الهوية تحت سمع وبصر وزارة الداخلية المصونة من قبل الاحتلال. وإلى جانب ذلك هناك مقاومة يقودها - على العموم - عرب سنة ضد قوات الاحتلال. لكن وجد أيضا تفجيرات في أمكنة مختلفة يذهب ضحيتها كثير من الأبرياء. وهذه التفجيرات ربما قام بها متطرفون محسوبون على المقاومين من قبل خصومهم أعوان المحتلين، وربما دبرت من قبل الموساد الصهيوني وأعداء الشعب العراقي لجعل نار الفتنة الطائفية دائمة الاتقاد. وهذا ما يخدم أعداء أمتنا من الصهاينة والمتصهينين.
وإذا كان ما جرى ويجري في فلسطين المحتلة يعني الوداع، أو شبه الوداع، للقدس عربية إسلامية، فهل نحن بصدد توديع بغداد، وجها عربيا مسلما، كان اسمها دار السلام، كما كانت مركزا لحضارة عربية إسلامية عظيمة؟ كم يود كل مخلص ومخلصة من أبناء أمتنا وبناتها أن تعود بغداد محررة من نير الاحتلال الإجرامي، وعاصمة لدولة عربية مسلمة تضم بين جنباتها الحانية مختلف الطوائف والأعراق متوادة متآلفة. والله على كل شيء قدير، وبإجابة الداعين جدير.