* يظل رائد البلاغة العربية أحمد حسن الزيات رحمه الله، ملء أسماع وأبصار وأفئدة محبيه، حياً وميتاً، ولم لا، فهو فارس البلاغة النثرية في عصره، وهو صاحب مجلة (الرسالة) التي كان الناس يسهرون جرّاها ويختصمون، إذ كانت منبراً تتبارى من خلاله الأطياف الفكرية جدلاً حول قضايا محلية وإسلامية وعربية داخل مصر وخارجها.
**
* لم ألتقِ الزيات قط، إذ كنت في مقاعد الدراسة الثانوية بالرياض يوم كان هو هامة أدبية رفيعة في مطلع الستينيات (ميلادية)، ورغم ذلك، كنت أعيش مع حروفه الإبداعية أثناء دراستي، عبر مجلة (الرسالة)، ومنحني الحظ فرصة اقتناء بعض مجلداتها، فكنت أنتبذ معها مكاناً قصياً في منزل والدي رحمه الله أيام الإجازات أسامرها ليلاً، وأنادمها نهاراً، وأحلّق مع حروف صاحبها حتى يدركني الكرى، فأسترخي إلى حين، ثم أُعيد الكرّة مرات!
**
* لم ينازع أدب الزيات (حضوراً) في خاطري المراهق تلك الأيام سوى بعض روايات إحسان عبدالقدوس، التي كانت تصلني (مهربة) في جنح الليل، عبر بعض زملاء الدراسة، فأخفيها بمخدعي خشية أن يعلم عنها أحد من آل البيت، ووالدي خاصة، وتكون النتيجة مصادرة لها وتنكيلاً بي! ولا غرو، فقد كانت بعض روايات عبدالقدوس في ذلك الزمان أشبه بمجلة ال(بلاي بوي) في وقتنا هذا، بما تضمه من (فتن) الحواس الشّابة!
**
* أعود إلى أدب الزيات، فأقول إنه رحمه الله كان مثيراً للجدل في حياته، بسبب مواقفه الجريئة في نقد الشأن العام بمصر وغير مصر، وكان لأدبه مريدون ومعارضون سواء، وهذا لا ينفي أو يلغي إجماعهم على تفوقه البلاغي، وأنه كان يقف على أرض صلبة من الولاء الوطني والقومي!
**
* وعلى صعيد آخر، ربما كان الزيات الوحيد في أوائل الستينيات من القرن الماضي الذي قرأ (تأبينه) بنفسه وهو حي يرزق، فعلَّق عليه (مبِّشراً) بوجوده حياً، وكنت ممن هزّتهم (إشاعة) وفاته التي نشرتها صحيفة (القصيم) بالرياض، وكنت وقتئذٍ أنثر فيها بعضاً من حروفي المراهقة، فكتبت في تلك الصحيفة مقالاً تأبينياً ساخناً أنعى فيه الزيات بعنوان (النجم الذي هوى)، واستقبل القراء مقالي ذاك بردود فعل متباينة، وكان من بينهم من شكّك في صحة النبأ، لأنه لم يُنشر عن ذلك في وسائل الإعلام المصرية والعربية المقروءة والمسموعة، وهي لا ريب أوْلى بعلم ذلك.
**
* ومرّت أيامٌ قلائل قبل أن تنشر إحدى الصحف الكبرى في مصر مقالاً للأديب الزيات ينفي عن نفسه (إشاعة) الرحيل إلى الدار الآخرة، وكان مقاله ذاك مشحوناً بالعجب مما كُتب عنه تأبيناً، ووددت يومئذٍ لو أن لي وسيلة اتصال به لأعتذر مما فعلت، وأهنئ نفسي ب(موت) الإشاعة (بدلاً) عنه!
**
* اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً على (إشاعة) وفاة الزيات، ومقالي عنه بعنوان (النجم الذي هوى)، أُقر بملء الوعي والإرادة أن في بعض وصفي الزيات بأنه كان نجماً فهوى، افتئاتاً صريحاً على عبقرية الرجل وسيرته الأدبية المحلِّقة، لذا أعتذر لذكراه ولآله ولتاريخه الأدبي، نافياً ذلك الوصف، فالزيات رحمه الله كان نجماً ساطعاً، لكنه لم يهوِ ولن يهوي بإذن الله أبداً، لأن عطاءه البليغ حاضر لا يغيب في أفئدة من أحبّوا أدبه وتابعوه نصاً نصاً، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً! أجل.. من قال إن الزيات قد مات فهو ظالم للرجل: أدباً وصيتاً وأثراً، وأعتذر مرة أخرى من نفسي لنفسي، لأنني (أسأت) إلى الرجل من حيث لم أدرِ ولم أُردْ! حفظ الله الزيات (حياً) عبر إرثه الإبداعي الجميل، وأسكنه ميتاً في نعيم الخلود!
|