* كتب - يوسف العتيق:
تذمَّرت الأوساط الرسمية والشعبية الأردنية من الموقف القطري تجاه المرشح الأردني الأمير زيد بن رعد؛ حيث لم يصوّت مندوب قطر له ليخلف كوفي عنان في منصب الأمين العام للأمم المتحدة؛ فقد أكد مسؤول أردني رفيع المستوى أن مندوب قطر لدى مجلس الأمن لم يصوّت لمصلحة مرشح الإجماع العربي الأمير الأردني زيد بن رعد لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. وقال المسؤول: إنه (خلال التصويت الاختباري الذي أُجري الخميس لم يصوّت مندوب قطر لمصلحة المرشح الأردني الأمير زيد على رغم أن مجلس وزراء جامعة الدول العربية أقرّ ترشيحه بالإجماع). وشدَّد على أنه (إضافة إلى مخالفته الإجماع العربي قام مندوب قطر الدائم بحشد التأييد لمنافس الأمير زيد مرشح كوريا الجنوبية ووزير الخارجية بان كي- مون).
وأعرب الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية ناصر جودة في تصريح بثه التلفزيون الأردني الرسمي عن استنكار الأردن لموقف قطر، ونشر الخبر في أكثر من صحيفة أردنية وعربية أمس الأحد.
جريدة (الرأي) تفتح النار
على الموقف القطري
وتعليقاً على هذا الحدث فتحت صحيفة (الرأي) الأردنية واسعة الانتشار النار على الموقف القطري المستغرب من كل العرب، حيث كتب المحرر السياسي في الصحيفة المذكورة يوم الأحد مقالاً تحت عنوان: (الحقد.. عندما يتحول إلى سياسة!!)، قال فيه:
موقف مندوب مشيخة (قطر) في مجلس الأمن الدولي إزاء مرشح الأردن لموقع الأمين العام للأمم المتحدة ليس نشازاً ولا غريباً على الأداء العام للخارجية القطرية منذ (حظيت) بوزيرها الحالي صاحب البصمات الواضحة على علاقات قطر العربية وسمعتها ومكانتها بين أشقائها ودول جوارها.
الأردن، من حيث التجربة والخبرة، لم يكن ليتوهم أن المندوب القطري سيدلي بصوته لصالح مرشح الأردن؛ فهذا لا يتفق مع الخبرة الأردنية بالتعامل مع سياسة تصنعها الأحقاد وتغذيها الأوهام، ولكن.. أن يقوم هذا المندوب بالتحشيد لصالح مرشح آخر، ويبذل جهوداً مضنية وشاقة لحرمان المرشح الأردني من الأصوات؛ فإن هذا المستوى من الوضاعة والخسة هو الملفت بحق، وهو، أيضاً، ما يستدعي قراءة المستوى الذي هبط إليه الأداء الخارجي القطري في سبيل تضييع أي فرصة عربية نوعية لخدمة القضايا العربية وإبراز الوجه الحضاري المتقدم لهذه الأمة طالما أن ذلك يصطدم مع غرور الوزير المتنفخ وعقده النفسية الدفينة.. هذه العقد التي أوحت له بأن يحول بلاده إلى مخزن للقنابل الذكية التي فتكت بالأشقاء اللبنانيين في ذات الوقت الذي كان يستجم فيه هو وعائلته على شواطئ (تل أبيب)!.
أن يكون الأمين العام للأمم المتحدة في هذه المرحلة الحرجة بالذات عربياً مسلماً ذا تجربة عميقة وخبرات متعددة تؤهله لهذا الموقع؛ فإن ذلك يعني أن صوت العرب سيكون عالياً، وأن صورتهم ستكون أوضح، وأن قدرتهم على الحركة وتقديم المبادرات ستكون أكبر.
ولا يخفى على عاقل أن الأمة العربية الإسلامية لم تكن في يوم من الأيام أحوج منها اليوم إلى مثل هذا الموقع برمزيته ودلالاته وما يتيحه لصاحبه من إمكانيات للتحرك والفعالية.
وبذلك، فإن خسارة مثل هذا الموقع الدولي المتقدم هي ليست خسارة أردنية فقط، إنها خسارة عربية إسلامية، خسارة لا يمكن تعويضها إذا ما أخذنا بعين الاعتبار خطورة المرحلة وطبيعة التحديات وتنوع وجدية الاستهدافات التي تحيط بنا من كل مكان.
وحدهم أعداء الأمة ومن يضمرون للعروبة والإسلام كل سوء وشر، وحدهم هم المعنيون بهدر الفرص المهمة والمفيدة في هذا الوقت، ووحدهم هم الساعون لترك العرب بلا منابر ولا تأثير ولا أدنى قدرة على تقديم المبادرات.. وأداء الخارجية القطرية منذ خضع لأوهام الدونكيشوت أصبح أداءً معادياً وبغيضاً وتفوح منه روائح الحقد والغرور وجنون العظمة. والقطريون الطيبون هم من يدفعون ثمن هذه السياسات وعلى حساب مشاعرهم القومية وعلاقاتهم مع أشقائهم!.
يستطيع الأشقاء القطريون اليوم أن يراجعوا أداء خارجيتهم وبوقها الإعلامي، وبإمكانهم أن يسألوا أنفسهم: لصالح مَن هذه المعارك وهذه الدسائس ومثل هذا التآمر الوضيع على كل ما يخدم العرب ويعلي من شأنهم؟ وبالأساس ما الذي ستخسره مشيخة قطر إن أصبح الأمين العام للأمم المتحدة عربياً مسلماً سواء أكان أردنياً أو سعودياً أم مغربياٌ؟!
أسئلة كثيرة نتركها اليوم أمام الشعب القطري أولاً؛ لأنه الخاسر الأكبر جراء جنون العظمة الذي يحكم أداء خارجيته العتيدة.. ولا بدَّ من لحظة مراجعة صادقة مع الذات يقرأ فيها القطريون المستوى الذي وصلت إليه بلادهم وهي تركض وراء سراب الدور وأحلام الأقزام بالعملقة، فتحولت قطر من (مشيخة) وادعة يحترمها أشقاؤها لأنها تحترم نفسها وتعرف حجمها في ضوء قوانين الجغرافيا السياسية، إلى قاعدة لكل ما هو ضد العروبة، ومزود أساسي للقنابل الذكية وهي تفتك بأطفال بيروت.. فهل هذه هي قطر التي يحلم بها القطريون؟! وهل يستحق القطريون أن تعبر عنهم وعن جوهرهم العروبي الأصيل هذه السياسة ودسائسها ومؤامرتها؟!
وسؤال أخير لفضيلة مفتي قناة الجزيرة الدكتور يوسف القرضاوي: هل ما تقوم به الخارجية القطرية من جهد في سبيل تضييع الفرص التاريخية على العرب والمسلمين جائز شرعاً؟ وهل يليق بعلماء الأمة أن يسكتوا على الدور المشبوه الذي تلعبه الخارجية القطرية وبوقها الإعلامي لإثارة الفتن والعداوات بين الشعوب العربية فضلاً عن مسؤولياتها عن توريط قطر بالقواعد والقنابل وكل ما من شأنه أن يفتك بالعرب ومستقبل أجيالهم؟!
ليس غريباً على قطر
وتحت هذا العنوان كتب عبد الهادي المجالي في الصحيفة نفسها فقال:
ليس غريباً على قطر أن تكون الدولة العربية الوحيدة التي تخرج عن الإجماع العربي ضد ترشيح الأمير زيد بن رعد لخلافة كوفي عنان.. ليس غريباً على قطر أن تلقي بكامل ثقلها خلف المندوب الكوري وأن تعمل بكامل طاقتها على إفشال مرشح الجامعة العربية الأمير زيد بن رعد، لا بل تعطي صوتها وهي العنصر العربي الوحيد في مجلس الأمن للمندوب الكوري.
ليس غريباً أن يكون هذا الموقف من قطر؛ لأننا لا نقيسه على قاعدة عروبية أو قومية.. فقطر في سلوكها غادرت منذ زمن القاعدة القومية وربما استبدلتها بقاعدة (العيديد) وقاعدة (السيلية)، وغادرت منذ فجر بعيد الصوت العربي الجهور إلى صوت الجزيرة وصوت افتعال الأزمات. السؤال الذي يحيرني: على إيش متكلين الجماعة؟! لو كانت الجحافل التي تحتشد على الحدود والمدججة بالنووي والكيماوي.. والتي تنتظر إشارة (طويل العمر) موجودة، لقلنا إنه منطق القوة، وإن القوي يفرض نفسه في النهاية، لو أن الامتداد الجغرافي كان يبدأ من آسيا الوسطى وينتهي على ضفاف البحر الأحمر لقلنا إنه التنوع والخصوبة والموارد. لو أن الأهرام وحضارة الفراعنة ولدت على الشاطئ الجنوبي لقطر وكان أبو الهول يحمل خيزرانه ويرتدي دشداشة لقلنا العمق التاريخي والحضاري.. ولكن لماذا تناكف دولة لا تتعدى مساحتها حياً من أحياء القاهرة عالماً عربياً بملايينه ومواقفه ونظمه السياسية.
ولماذا منذ أن حدث الانقلاب في هذه الدولة صارت حركتها السياسية فقط تعتمد على النيل من النظام السياسي السعودي تارة، ثم استعمال الجزيرة لعرض مسلسل ما سُمِّي بالصراع الطائفي في مصر بين المسلمين والأقباط، وفي النهاية تختم تلك الدولة مسلسل الشرف الوطني والقومي بالوقوف إلى جانب كوريا ضد مرشح الإجماع العربي الأمير زيد بن رعد.
قطر ليست بحاجة للتبصر في مواقفها، ذلك أنه لا يوجد شيء مستغرب عنها، ولكن عليها أن تدرك أن أخذ دور في العالم العربي لا يعني أن يكون خطابك السياسي مبنياً على الردح أو العمالة أو شراء المزارع الباهظة الثمن في شواطئ تل أبيب، والصوت المسموع لا يعني أبداً استقطاب القواعد الأمريكية.. فالتاريخ أعطانا دروساً مهمة في أن الاعتماد على الغير اعتماداً كلياً لا يمنع أبداً من تخلي هذه الدول عن (...) وزجهم في أتون النار كما حدث مع الكثير.
على كل حال، أنا لست غاضباً، ولا أظن أن الموقف العربي أو الرسمي الأردني هو كذلك.. فالقصة لا تتعدى كونها مسألة ضمير.. ولا أظن أن الضمير القومي يختصر في الغاز المسال أو يجمع في قاعدة العيديد أو حتى يبث على شكل فتن وافتراءات عبر قناة الجزيرة.. الضمير لا يشكل بحسب الحاجة إلا إذا كان مفقوداً أصلاً.
|