لبنان بين التهديدات والخلافات

ستظل إسرائيل تتربص بلبنان رغم انسحابها الشامل من جنوبه أمس، وقبل هذا الانسحاب الذي استثنى فقط بلدة الغجر، توالت تصريحات وتهديدات قادة إسرائيل متوعدة لبنان بحرب أخرى واستهداف بعض من شخصياته وذلك في نبرة متعالية منطلقة من القناعة القائلة إن إسرائيل مهما فعلت بلبنان ستكون بمنجاة عن أية عقوبات أو أية ضغوط، لكن إسرائيل التي تستشعر مرارة الهزيمة، تجد في هذه التهديدات ما يفرج عن كربتها، كما تجد فيها ملمحاً لانتصار قادم أو هكذا تتصور، فمجرد التلويح بالقوة إزاء الطرف الآخر يوهم من يهدد بأنه يمتلك زمام المبادرة وربما مفاتيح النصر.
وفي كل ذلك أوهام صهيونية لم تفلح الهزيمة الأخيرة في لبنان في إزالتها، فما زالت تتردد هناك عبارات في الذاكرة أن الجيش الأسطوري الذي لا يهزم.. وإزاء هذه الحالة العدائية والتحين لضرب لبنان، يبدو لبنان ذاته وكأنه يقدم نفسه طيعاً لمن يريدون افتراسه، فاللبنانيون، بعد الحرب، انصرفوا عن التهديدات الإسرائيلية المستمرة وانكبوا على كيل الاتهامات لبعضهم البعض، وصارت المواكب والتظاهرات والتجمعات الكبيرة أدوات في هذه الصراعات المستعرة بشدة، مع نبش محموم للملفات القديمة وحتى المهترئة.
وكان اللبنانيون قد طووا خلافاتهم إبان الحرب التي استمرت 34 يوماً، ووقفوا كلهم خلف المقاومة وذلك في مشهد ينم عن مسؤولية عالية وتقدير حصيف للموقف، وهكذا راحت مختلف المناطق تستقبل النازحين من الجنوب ومن البقاع، ولم تحول التباينات المذهبية والطائفية والسياسية دون تحقيق هذه الوحدة الطوعية في أبهى صورها..
لكن ما أن انتهت الحرب واستعاد المقاتلون والنازحون أنفاسهم حتى عادت الأجواء القديمة الخلافية بكل تجلياتها تغطي على كامل المشهد اللبناني.. وكأنما قدر هذا البلد أن يكون تحت تأثير الحرب حتى تتحقق اللحمة والوحدة بين أبنائه.. ويتعين على لبنان بكل طوائفه ومؤسساته الحزبية أن ينقب عميقاً في أحواله وأوضاعه ليستعيد دائماً الحالة الإيجابية التي تغطي عليها بعض الأطماع السياسية هنا وهناك، لكن لا بد أنه في العمق البعيد تكمن أصالة الإحساس والشعور اللبناني الحقيقي، الذي لا يمكن أن يكون مجرد إحساس عابر خلال الحرب وإنما مكنون صادق من المشاعر والأحاسيس الوطنية الصادقة التي توجه حركة الشعب في الملمات، ويمكن أن تكون كذلك في كل الأحوال، فالأمر يتطلب قدراً من تنشيط هذه الحالة الإيجابية. ومن ثم ينبغي البحث عن هذه الصيغة الوحدوية القوية التي تتعالى عن الصغائر، واستثمارها لتغيير هذا الواقع الحالي الذي بات فيه اللبنانيون على شفا صراع ينذر بعواقب وخيمة.