Al Jazirah NewsPaper Tuesday  01/01/2007 G Issue 12513
الرأي
الثلاثاء 20 ذو الحجة 1427   العدد  12513
من وحي عسير
محمد إبراهيم فايع/ خميس مشيط

الباحث في أسفار التاريخ سيجد أن اسم عسير قد ارتبط بظهور الدين الإسلامي وذلك حينما ورد وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة وكان يرأسه الصرد بن عبد الله الأزدي والذي لم يسعه بعد لقائه بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يدخل في الإسلام دين الحق هو ومن كان معه ليعود حاملاً مشعل النور والهداية لقومه وليكون عاملاً على جرش بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

في منطقة عسير رجال نذروا منذ قدم التاريخ أنفسهم في خدمة الدين واسهموا في كثير من الفتوحات الاسلامية وجاهدوا في الله حق جهاده وسطروا أسماءهم في كتب التاريخ واستمروا على هذا الشأن حتى يومنا هذا وما زالوا في خدمة دينهم ووطنهم ومليكم ومما يذكر في كتب التاريخ استعانة الخليفة الصديق ابوبكر رضي الله عنه بمقاتلين ليقاتلوا معه من ارتدوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عامل جرش في عهد أبي بكر عبد الله بن ثور ومن عسير انطلق رجال نحو فلسطين في عامي 1367هـ ليردوا العدوان الإسرائيلي الغاشم عنها مع أشقائهم العرب أما أبها فهي زينة المدائن تشكلت من (مناظر، القرى، مقابل، الخشع) ورد ذكرها كثيراً في كتب التاريخ منذ 1286هـ باسم أبها وقد حظيت أن تكون ثاني مدينة في بلادنا بعد مكة المكرمة لتنشأ فيها (بلدية) تهتم بتخطيطها وتجميلها وتقيم فيها الخدمات.

إن صورة أبها القديمة ما زالت تحتل ذاكرة كبار السن: القمم المعلقة، الجبال، الشاهقة، الأودية الجارية، الأبراج والقلاع، السهول والمدرجات الخضراء، النجوم المتوشحة ببريق الفرح، بيادر القمح، المزارع المحملة بالثمار والازهار تحرسها الأطيار وتغني لها الحمائم وبين الأغصان رجال ونساء يجنون من خيرها ويؤمون حقولها ويتحنون بنضارة جمالها.

أبها تشم في أرضها رائحة الزعفران وشذا الريحان وعلى أديمها تناجيك حكايات وحكايات لرجال عطروا الزمان والمكان بأفعال الكرام.. بنبل الفرسان وتحت شمسها الذهبية يتيه الحسن وهو يعانق الغواني فيحار الشعر ويتلعثم النثر ثم ينادي الشوق العشاق وكم ارتمت في أحضانه قصص الهيام التي لا يجيد روايتها إلا من ذاق لوعة الهوى في زمن الصفاء والبراءة.

وفي ليلها أطياف ذكرى عرض أعاليها سحب سابحات وغيوم متأرجحات وفي أرجائها أغنيات تزهو وتمطر طرباً لتنساب إلى أسماعنا فتلهب الخافق فيشكو انحناءات العمر ثم يسقط شلال من الذكرى فوق أوراق العمر لينسكب كلمة كلمة في أحضان السهر تشهد به القرية وشطآن الأودية ومداوج السودة وألق الأمسيات فوق ذرة وبين كل حكاية وحكاية تداعب حبات المطر وجنات الأرض وضحكات الصغار وفجر الاحلام وسفوح الجبال وحنين الكبار وشرفات المليحات.

لانسام مدينة أبها عبق ندي خاص ذو مذاق تتمايل فيه الأشجار مع الأقمار وتهزج فيه الأغنيات مع رقصات الرجال لتثير الفرح وأنغاماً ملونة مطرزة بألوان (القطة) العسيرية التي تمنح الوجود حياة مشكلة ولحظات مبهجة تعيش بداخل الذاكرة لتروى ذات يوم على مسرح (المفتاحة) أو تتهادى كقطرات من سحائب الذكرى الماضية فوق (سد أبها) أو تتدفق كصور من العشق على لسان أميرها خالد الفيصل ليعلو بها صوت الراقصين في رقصة (الدحة) تارة وتارة وهم في نشوة (الخطوة) ليهدوا الحياة حياة الفرح.. حياة الاطمئنان.. حياة العيش الرغيد أناشيد للوطن وطن الحب وطن السلام.. وطن الإنسانية.

faya11@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد