طالعتنا قناة المجد الفضائية وللأسف الشديد بإعلانات متتالية عن قناة جديدة متخصصة بالأناشيد (الإسلامية زعموا)، سوف تنطلق في بداية الشهر المقبل تحت مسمى (قناة شذى)، وقد ناصحهم كثير من العلماء وطلبة العلم بالكف عنها، ولكن دون استجابة. والفتنة بالأناشيد الموسومة بالإسلامية مما ابتلي به المسلمون من قديم، ولكن مع اختلاف التسمية، فقد كانت تسمى في عصر الإمام الشافعي رحمه الله (التغبير)، وسميت ب(القصائد) الصوفية أو الزهديات، وغير ذلك، وظهرت الفتنة في هذا العصر بهذا المسمى الجديد الجذاب (الأناشيد الإسلامية) إخفاء لحقيقتها وترويجا لها على الجهال وبين السذج من الفتيات والفتيان.
يقول الإمام الشافعي: (خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن).
قال شيخ الإسلام معلقا: (وهذا من كمال معرفة الشافعي وعلمه بالدين، فإن القلب إذا تعود سماع القصائد والأبيات والتلذذ بها حصل له نفور من سماع القرآن والآيات، فستغني بسماع الشيطان عن سماع الرحمن). أهـ الفتاوى (11 - 532)، وقال أيضا في المجموع (11 - 570):
(وما ذكره الشافعي من أنه من إحداث الزنادقة فهو كلام إمام خبير بأصول الإسلام، فإن هذا السماع لم يرغب فيه ويدعو إليه في الأصل إلا من هو متهم بالزندقة كابن الراوندي والفارابي وابن سينا وأمثالهم كما ذكر أبو عبدالرحمن السلمي في مسألة السماع.. وقد عرف بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لصالحي أمته وعبادهم وزهادهم أن يجتمعوا لاستماع الأبيات الملحنة مع ضرب بالكف أو ضرب بالقضيب أو الدف، كما لم يبح لأحد أن يخرج عن متابعته واتباع ما جاء من الكتاب والحكمة، لا في باطن الأمر ولا في ظاهره ولا لعامي ولا لخاصّي).
وسئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - عن الإنشاد الإسلامي فقال: (الإنشاد الإسلامي إنشاد مبتدع مما ابتدعه الصوفية، ولهذا ينبغي العدول عنه إلى مواعظ القرآن والسنة).
ولما تكلم أحد المنشدين بأن الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين استمع إلى شريطه الإنشادي (أشجان) وأجازه أنكر ذلك الشيخ - رحمه الله - وقال: إن رأيي في هذا الشريط أنه ملحن تلحين الأغاني الهابطة، وأنصح بعدم سماعه والاتجاه إلى سماع ما سجل من النونية والميمية لابن القيم ومنظومة الآداب لابن عبدالقوي وغير ذلك من الأشياء النافعة إذا كان لا بد من استماع القصائد وإلا ففي القرآن والسنة أعظم موعظة.
وسئل فضيلة الشيخ العلامة صالح الفوزان عن سماع الأناشيد الإسلامية فقال:
(هذه التسمية غير صحيحة، وهي تسمية محدثة؛ فليس هناك ما يسمى بالأناشيد الإسلامية في كتب السلف ومن يعتد بقولهم من أهل العلم، والمعروف أن الصوفية هم الذين يتخذون الأناشيد دينا لهم، وهو ما يسمونه بالسماع، وفي وقتنا لما كثرت الأحزاب والجماعات صار لكل حزب أو جماعة أناشيد حماسية قد يسمونها أناشيد إسلامية، هذه التسمية لا صحة لها وعليه فلا يجوز اتخاذ هذه الأناشيد وترويجها بين الناس).
وقال أيضا في كتابه الخطب المنبرية ما نصه:
(ومما ينبغي التنبيه عليه: ما كثر تداوله بين الشباب المتدينين من أشرطة مسجلة عليها أناشيد بأصوات جماعية يسمونها الأناشيد الإسلامية، وهي نوع من الأغاني، وربما تكون بأصوات فاتنة، وتباع في معارض التسجيلات مع أشرطة تسجيل القرآن الكريم والمحاضرات الدينية. وتسمية هذه الأناشيد بأنها أناشيد إسلامية تسمية خاطئة؛ لأن الإسلام لم يشرع لنا الأناشيد، وإنما شرع لنا ذكر الله وتلاوة القرآن وتعلم العلم النافع، أما الأناشيد فهي من دين الصوفية المبتدعة الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، واتخاذ الأناشيد من الدين فيه تشبه بالنصارى الذين جعلوا دينهم ترانيم جماعية والنغمات المطربة، فالواجب الحذر من هذه الأناشيد ومنع بيعها وتداولها، علاوة على ما قد تشتمل عليه هذه الأناشيد من تهييج الفتنة بالحماس المتهور والتحريش بين المسلمين) أهـ.
وقوله - حفظه الله - إنها تشتمل على تهييج الفتنة بالحماس المتهور أمر واقع، بل إن الإرهابيين المفسدين كانوا ولا زالوا يعتمدون على الأناشيد الحماسية في سفك الدماء وقتل الأبرياء تحت مسمى الجهاد!!.
وختاما فإني أرجو من القائمين على قناة المجد أن يتقوا الله تعالى، وألا يخدعوا الناس بكلام سلمان العودة - هداه الله - الذي يظهرونه بين الفينة والأخرى في الترويج لهذه القناة بأدلة شرعية وردت في القرآن الكريم!! وإنما عليهم أن يستجيبوا لكلام العلماء الناصحين ونداء سماحة مفتي عام المملكة الذي ناصحهم وطالبهم بمنعها والكف عنها من خلال قناتهم.
والله الهادي إلى سواء السبيل.