Al Jazirah NewsPaper Wednesday  10/01/2007 G Issue 12522
الرأي
الاربعاء 21 ذو الحجة 1427   العدد  12522
عبارات هلامية تثير الاشمئزاز
حمد عبدالرحمن المانع

ما ذكر أعلاه عبارات باللهجة العامية ليس لها قياس محدد ولا معنى بالشكل الدقيق، بل هي أوصاف للتعبير عن مدى سخافة من يتصف بها، مع سبق إصرار الواصف على عدم خروجه عن حدود اللباقة واللياقة؛ أي أنه يتصور في قرارة نفسه المنسلخة من تلك الصفتين أنه لم يستخدم التجريح الصريح، أو السب العلني بكلمات قد تؤرق ضميره، وتدخله في حسابات الإثم ليتوارى خلف هذه الكلمات المبهمة للالتفاف على الإحساس بالذنب. وأقرب وصف لهذه الفئة هي (وين أذنك يا حبشي)، وتنشأ هذه الكلمات الدارجة للتخفيف بغية الترويح عن النفس، بصيغة أقل حدة من الوصف الصريح؛ وبالتالي فإن تداولها لا يترك أثراً بالغاً في النفس، طبقاً لتعاطي هذه العبارات بكثرة وعدم اكتراث، وهي أشبه بمن يأكل الكراث ويتجشأ (يتاغر) أمام الآخرين غير مبال بالأذى الذي تسببه غازاته المسيلة للدموع، والمثيرة للاشمئزاز، معتقداً أن دمه أخف من قيمة الأسهم هذه الأيام، بينما يتصنع الآخرون الابتسامة على مضض، آملين في الوقت ذاته أن (يوريهم عرض أكتافه) بأقصى سرعة ممكنة. وعلى ذكر السرعة، وهي سيئة في كل الأحوال، إلا في حالة صاحبنا سالف الذكر، ولم أقل سيئ الذكر؛ لأن الكراث من الخضراوات المفيدة، وذو المنافع المتعددة، وصحي ولذيذ، ولكن أردت التشبيه، والاعتقاد أن هذه الكلمات بريئة وهي تنوء بالفحش، وإطلاق العبارات خلف ستار التهكم والسخرية الفجة من خلال استسهال إطلاقها، وكأن مطلقها لا يدرك أنه نسف شخصية بكاملها ونفاها في جزر (الواق واق)، ولا أدري أين تقع هذه الجزر، وتهميش قيمة الإنسان بهذه النبرة الفوقية والتعالي لا يلبث أن يسهم في صياغة نماذج بائسة تتكئ على هدم القيم الخلاقة، وتصول وتجول وكأن البشر عبارة عن مواد استهلاكية، شأنهم في ذلك شأن (الشاورما بالكاتشب) أو بدون، لا يهمّ، طالما أنها ستشبع نهمه الفارغ من الكياسة والأدب. وحينما يتهيأ هذا الفراغ، وهذه المساحة الخالية من ذكر الله ومخافته، فلا غرابة أن تتفشى مثل هذه الكلمات الفارغة من المحتوى والمضمون، والتي تسيء إلى الآخرين من انتقاص وازدراء ونحو ذلك، وتقبع في مؤخرة الركب أيضاً كلمة لا تقل خبثاً من تلكم الكلمات ألا وهي (لك عليه) وهي أيضاً تتستر خلف هذا الغطاء المثقوب، وتعني أن الشخص الموصوف عليه مآخذ، ولكن يصعب تحديدها، ويجرّ هذا الغموض كثيراً من التساؤلات والشكوك إزاء الموصوف، وفي نطاق الهمز واللمز تبرز أيضاً كلمة (بثر) وهو اللحوح واللجوج الذي يصرّ على مقابلة شخص آخر ويلح عليه في تحقيق طلبه، مع عدم مراعاة ظروف المقابَل، وربما يفهم المقصود إلا أنه يتجاهل، وهذا التجاهل يدرجه بشكل تلقائي في قائمة (بثر).

ومن جانب آخر أيضاً هناك (الغثيث)، وهي مستقاة من الغث وليس المقصود انتفاء القيمة، بل إنها محورة، ومعدلة إلى التعبير عن الهمّ والغمّ؛ كأن يقال (غثني)؛ أي جلب لي الهمّ والغمّ. وكل هذه الكلمات المتداولة تتم في الغالب بصفة تلقائية وعن غير قصد الإيذاء المباشر، إلا أنها في الواقع مؤذية بدرجة كبيرة؛ إذ إن المتلقي سيحدد وفقاً لهذا الهمز واللمز، رؤية عن الشخص، وسيبنى التصور قياسات قد لا ترتبط بالواقع، بقدر ما تسهم الآثار المنبثقة من إطلاق الكلام جزافاً، وبهذه الصيغة من تنافر وتباعد وولوغ في الأخطاء التي تكرس الفرقة والشتات، في حين أن المشاعر النبيلة والأحاسيس الصادقة، أصابها القحط والجفاف.

وبعيداً عن التنظير وتحليل هذه المعطيات دعونا نبحث عن حلول عملية، ونعقد ورشة عمل. وعلى ذكر ورشة العمل أذكر في إحدى الدورات التدريبية، ومع بداية استخدام هذا المصطلح وأثناء (البريك)، ولنستبدل بهذه الكلمة كلمة عربية جميلة وهي (فسحة)، وأثناء هذه الفسحة سألت زميلاً لي عن البرنامج القادم في الدورة، فقال لي: (ورشة عمل)، فقلت: (افا ما جبت العدة)؛ لأن الورش مرتبطة بالمطارق والزراديات (وأبو جلنبو) وغيرها من خلال التصور المبدئي. أعود مرة أخرى إلى ورشة العمل وأقترح تحديد يوم يكون الإنسان فيه حريصاً كل الحرص على ترشيد استعمال هذه الكلمات أو على الأقل استبدالها؛ فكلمة (ابن حلال مصيف أو مشتي) سيان ستعطي نفس المعنى وكلمات كثيرة، وأنا على يقين بأننا يوماً بعد يوم سننسى هذه الكلمات على أمل ألا يتم اكتشاف كلمات أخرى أدهى وأمرّ؛ لتتوالى إدانات الاختراع، وتسجل - كما هو معروف - ضد مجهول.

hamad yemco@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد