Al Jazirah NewsPaper Sunday  14/01/2007 G Issue 12526
الرأي
الأحد 25 ذو الحجة 1427   العدد  12526
رحمك الله يا جدي
خالد سليمان العطا الله/ الزلفي

عندما تعجز الكلمات عن تسطير مآثر من مات، تقف الأفعال له شاهدة، بعد أن أصبحت له العيون فاقدة، يأتي المعزون من كل مكان، يعبرون عن حزنهم لفقد ذلك الإنسان، هنا نعرف محبة الله للفقيد، من واقع حب في قلوب الناس يزيد، إيماناً وتصديقاً، يقول المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى (إذا أحب الله عبداً أحبه الناس).

امتلأت جنبات الجامع، وتوافد المصلون من داخل المحافظة وخارجها، وهناك جمع آخر كان ينتظر في المقبرة للصلاة على المرحوم بإذن الله عبدالله بن علي السبت، فقد كان أبو علي يحن على الصغير ويلاطفه، ويحترم الكبير، لم يشهد عنه أنه أخطأ في حق أحد، احترم الناس فأحبوه، وهذا من رحمة الله له، كان حريصاً في دعوة من بخارج المسجد حين ينادي المنادي للصلاة، وينبه المصلين دائماً على تنظيم الصفوف، كان يجول في نهار رمضان على من بقي في المسجد بعد الصلوات ويحفزهم على مواصلة قراءة القرآن، بل كان يشجع الصغار على تكرار ختم القرآن، كان يجلس في مجلسه المعروف عند بيته القديم ويتوافد عليه الناس، وكان يضيفهم ويكرمهم ويذكرهم بطرق محببة للشباب وكان يردد القصائد الوعظية التي يذكر من خلالها كثرة المنكرات في هذا الوقت ولهو الناس في هذا الزمان بعكس زمانه، وكان لديه كل الحرص أثناء حياته على حضور المحاضرات الدينية للمشايخ.

أذكر منذ سنوات بعيدة وأثناء طفولتنا تحديداً وعندما يحدث لنا توبيخاً شديداً من أحد أبنائه (بحكم شقاوة الأطفال) فإنه صاحب القلب الكبير الذي نلتجئ إليه فيضمنا بحنانه ويواسينا بدلالة ويخاطب من تسبب في بكائنا بضرورة عدم العودة لهذه التصرفات، فهذه من المواقف التي تدل على إنسانيته العظيمة وحنانه الكبير.ألم يقل سيد البشر صلى الله عليه وسلم (اذكروا محاسن موتاكم)، فهذه بعض من محاسنه، وجزء لا يتجزأ من صفاته الحميدة.

رقد على السرير الأبيض لسنوات، وكانت بإذن الله له مكفرات، كان يقدم الصدقة بكل وقت بحكم ابتسامته تصديقاً لقول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم (ابتسامتك في وجه أخيك صدقة) فالجميع يشهد على ذلك، وأقسم أنني شاهدته يبتسم وهو في غيبوبته التي سبقت موته، فمن شاب على شيء شب عليه ومات عليه أيضاً، فالناس تشهد لك يا جدي بالصلاح وبالتقوى، ونحن وهم شهداء الله في أرضه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنتم شهداء الله في أرضه) شهدنا لك بالإيمان، وشهدنا لك بالصلاح، ونشهد لك عند ربنا بالبر والصدقة وبالتواضع وبحبك للناس وخوفك عليهم، وسوف نشهد لك بالدعوة والتحفيز لعمل الصالحات، واجتناب المنكرات، وحب المساكين.

هنيئاً لك يا جدي بهؤلاء الأبناء والبنات الصالحين بإذن الله فقد مت ولم ينقطع عملك لقول المصطفى (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث وذكر منها عبد صالح يدعو له)، كانوا عند المصيبة صابرين ومحتسبين متقيدين بقول الله عز وجل {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ.}.... الآية. لم يصح أبناؤك، ولم تنح بناتك، لم يتذمر أبناؤك، ولم تشق الجيوب بناتك، لم يدعوا لأفعال الجاهلية مجال، فلا أم فعلت ذلك ولا خال، كان الإيمان والاحتساب هدفهم، عرفوا أن البكاء لا يفيد، وان الدعاء هو المفيد، أقسم مرة أخرى وسوف أسأل عن قسمي أنهم كانوا حريصين على إظهار الابتسامة وبالفعل استطاعوا، كان هناك حزن في قلوبهم، ولكن الإيمان كان أقوى فحبس دموعهم.

دعونا نردد شيئاً من الدعاء، على الفقيد يخالطه الكثير من الرجاء، فدعوة من القلب مجابة، لأن رحمة الله تسبق عذابه، فرحمك الله يا والد الجميع، وتغمدك برحمته المجيب السميع، وجعل قبرك من رياض الجنان، بفضل من الكريم المنان، وأسكنك في عليين، مع الأولياء والصالحين، فآمنوا بالدعاء يا مسلمين، رحمكم رب العالمين.. {فإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.. وإنا للقبور لذاهبون.

k_556@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد