كلمات قليلة علق بها صديق مقيم في المملكة سقطت على مفاهيم راسخة في ذهني فضربتها من القواعد مما جعلها تهتز بشدة حتى انهارت فغدوت أبحث عن معرفة جديدة تعيد تشكيل هذه المفاهيم بما يتناسب مع المفاهيم الحضارية السائدة.
صديقي هز مفاهيمي ونحن نسير في شارع العليا العام بقوله (إنني لا أجد فرقا في سلوكيات أبناء الأحياء الغنية الذين يقودون السيارات الفارهة وأبناء أحياء الدخل المحدود الذين يقودون السيارات المتواضعة.. وهذا دليل واضح على انعدام أو قلة وجود الطبقة الأرستقراطية في بلادكم، وهذه مشكلة عليكم معالجتها؟!
مفاهيمي السابقة التي شكلها المجتمع الذي أعيش فيه تقول إننا مجتمع نتميز بالتواضع حيث لا فروقات سلوكية بين الأغنياء ومتوسطي الحال وحتى الفقراء وإنما الفروقات تظهر فقط في الأمور المادية (المنازل، السيارات، الأثاث.. الخ) وأن التشابه في السلوك بين هذه المستويات الاقتصادية مدعاة فخر واعتزاز يجب علينا المحافظة عليها لا مدعاة قلق باعتبارها مشكلة يجب علاجها.
ولكي أصل إلى الحقيقة بحثت أولا في مفهوم الطبقة الأرستقراطية وفيما إذا كانت طبقة إيجابية يجب إيجادها كما يقول صاحبي أم طبقة سلبية يجب التخلص منها كما هو في موروثنا.. ووجدت أن الأرستقراطية رغم ارتباطها بالثروة والغنى إلا أنها حالة أخلاقية في مجالات آداب التعامل قبل أن تكون حالة ثراء معيشي.. حالة أخلاقية تمثل القدوة بحيث يمكن أن يعيشها متوسط الحال وحتى الفقير.. وأن الغنى لا يعني الأرستقراطية بالضرورة فكم من غني فاحش الغنى لا ينتمي لتلك الطبقة بسبب سلوكياته التي لا تتوافق مع سلوكيات الأرستقراطي.
كما وجدت أن من شوّه مفهوم كلمة الأرستقراطية هم الثوار الماركسيون والاشتراكيون والعمال وذلك في مطلع القرن السابق لأهداف سياسية.. حيث وصفوا الأرستقراطيين بالتعالي والغرور والعنجهية والعجرفة إلى آخر هذه الصفات التي تنفر الآخرين من الأرستقراطي لإقصائهم عن المجتمع.
ووجدت أن هناك خلطاً بين مفهوم ومعنى الأرستقراطية ومعنى البرجوازية.. وهذا الخلط أتى من ربط الأرستقراطية بالثروة والمال.. لكن الصحيح أن البرجوازية كلمة فرنسية تعني طبقة التجار وأصحاب الأعمال.. وهم يشغلون مركزاً وسطاً بين طبقة النبلاء وطبقة العمال.. ومع انهيار المجتمع الإقطاعي قام البرجوازيون باستلام زمام الأمور الاقتصادية والسياسية.. وزاد من صعودهم بدء العصر الصناعي في أوروبا.. لذلك فإن الثورات الأوروبية في القرنين الماضيين كان موجهة ضدهم.. بل إن التعريف الشيوعي للبرجوازية يعني الطبقة الرأسمالية المستغلة التي تملك وتسيطر على وسائل الإنتاج.. ومن هنا نشأت فكرة التأميم في المعسكرات الشيوعية والاشتراكية.
الأرستقراطية كلمة يونانية تعني أن الدولة تدار بيد خير المواطنين الذين هم الطبقة الذهبية أي (سلطة النخب من الناس).. وسياسياً تعني طبقة اجتماعية ذات منزلة عليا تتميز بكونها موضع اعتبار من المجتمع ومن الحكومة.. وتتكون من الأعيان الذين وصلوا إلى مراتبهم العليا عن طريق الوراثة.
ومن هذا التعريف يمكن فهم أن الأرستقراطية هي فكر وآداب وتعاملات وسلوكيات تراكمية متوارثة يمكن اكتسابها وتعلمها وتطبيقها.. لكنها ليست صفة تكتسب فجأة مع صعود الثروة أو وصول إلى منصب رسمي أو ترتبط بهما.. كما يمكن فهم أن هناك رابطاً ما بين الأرستقراطية والسلطة.. ومن ذلك نجد أن من الأدبيات المتداولة أو المتفق عليها أن الأرستقراطية لا تتفق مع الديموقراطية.. حيث إن الديموقراطية يمكن أن تأتي بالوضيع إلى واجهة السلطة.
وديننا الحنيف لم ينه عن الأرستقراطية أو يكافحها.. بل رسَّخ بعض وجوهها.. فقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام).. كما اعترف بأهمية الأسر الأرستقراطية حين أعلن (أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن).. وحث عليها حين قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى) و(نعم المال الصالح للعبد الصالح).
ثقافة الحياة الأرستقراطية لم تعرفها الجزيرة العربية في العصر الحديث إلا في عوائل محدودة.. وهي ثقافة تعني ارتقاء مستوى المعيشة وليس الثراء.. وتعني علو مستوى العلاقة وليس التعالي.. وتعني رقي التصرف لا التهور.. كما تعني بُعد الرؤية وأن تكون مع الآخرين اليد العليا في العطاء.
والحياة الأرستقراطية تعني الحياة الصحية والناجحة.. وهذا يجعل من المجتمع الذي يحمل الثقافة الأرستقراطية مجتمعاً يهتم بكل مناحي الحياة التي قد تؤثر في صحة الحياة ونجاحها.. لذلك تغطي اهتمامات الأرستقراطيين بالبيئة والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
والحياة الأرستقراطية أيضاً تعني الرقي في تصرفات الفرد كآداب التعامل ومفردات الكلام والالتزام بالواجبات.. أي أنها تعني الرقي في التربية والثقافة.. حيث تتضح الأرستقراطية في لباسهم ومساكنهم.. كما تُرى في طريقة كلامهم وقيادتهم لسياراتهم واستقبالهم لضيوفهم.. كما تظهر في طريقة تأدبهم مع الآخرين ومجاملتهم.
الأرستقراطيون باختصار هم قادة السلوك الاجتماعي الراقي والاهتمامات الرفيعة.. ذلك لأنهم الأكثر تعليماً والأكثر اختلاطاً بالحضارات والأكثر قدرة على نقل المفيد لمجتمعاتهم ومعالجة السلبي منها بما حباهم الله من موروث قيمي وقدرة مالية كبيرة.. كما أن مستواهم الاجتماعي يضعهم تلقائياً في موقع القدوة التي يأمل متوسطو الحال فضلاً عن الضعفاء أن يقلدوها سواء في اللبس أو الحديث أو التصرفات أو المنتجات المستخدمة إلى غير ذلك.
ومن هنا أدركت أهمية وجود طبقة أرستقراطية حقيقية تتميز بالسلوك الراقي والاهتمامات الرفيعة لتكون قدوة لبقية الطبقات.. وأدركت معنى كلام صاحبي حينما استغرب تشابه سلوك أبناء المناطق الغنية والمتوسطة من حيث السلوك المروري غير السوي.. وأدركت أن علينا تعزيز وجود هذه الطبقة لتنهض بدورها الحيوي في تطوير سلوكيات المجتمع إلى الأفضل.
وباختصار علينا زرع قيم تقود إلى خلق مجتمع أرستقراطي يساهم بشكل كبير في تعزيز سلوكيات مجتمعنا الإيجابية ومعالجة السلبي منها.. انطلاقاً من سلوكياتنا المرورية وانتهاءً بتعاملنا مع الآخر المخالف لنا في الدين أو المذهب أو العرق مروراً بتنشيط فكرة العمل التطوعي التي تدفع المجتمعات إلى المزيد من الازدهار والتطور، وعلينا قبل ذلك أن نقتنع بأن الأرستقراطية ليست أيديولوجية مؤذية.. بل سلوك منضبط ورؤية راقية للحياة من خلال الالتزام بالواجب والتصرفات المحسوبة والاهتمام بالعلم والثقافة والحاجات الإنسانية إلى أقصى حد ممكن.