إشارة إلى ما ذكره الكاتب عبدالله بن ثاني في صفحة عزيزتي الجزيرة في العدد 12471 في يوم الاثنين 29 شوال 1427هـ في الفقرة رقم 11 وكذلك في العدد 12503 في يوم الجمعة 2 من ذي الحجة 1427هـ حول نسب بني العنبر واستشهاده بكلام ابن المبرد والذي قال فيه (لأن النسابة يزعمون أن العنبر بن عمرو بن تميم إنما هو ابن عمرو بن بهرام.. إلخ) فابن المبرد يذكر كلمة يزعمون وكلمة يزعمون معروف معناها لكل ذي لب في هذا المقام.
وأما اعتماده على كلام ابن الكلبي ففيه نظر فقد ذكر ابن الكلبي نفسه بني عمرو بن تميم وأول من ذكر من أبنائه العنبر، ونقل عن ابن حزم قوله: (وقال قوم إن بني العنبر بن عمرو بن تميم هو العنبر بن عمرو بن لحيون بن يام.. وهذا خطأ..). فكيف ينقل من مصدر يعتبر المؤلف نفسه الكلام خطأ، ولعل القارئ يتساءل: أيهما نصدق! هذا الكلام الذي نقله ابن المبرد ووصفه بأنه مزعوم أم كلام ابن الكلبي الذي تردد صاحبه فيه أم نقل ابن حزم الذي خطأه ابن حزم نفسه؟ أم الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه؟
وما من شك أن من طرق البحث العلمي والمنهجي الاعتماد على المصادر الصحيحة والمعتمدة، وحديث أبي هريرة الذي ورد في صحيح البخاري ومسلم هو أولى أن يعتد به وترك روايته ظلم له وهو الصحابي الذي لازم الرسول صلى الله عليه وسلم وروى عنه كثيرا من الأحاديث فلا مقارنة بينه وبين من أتى بعده ممن استشهد بهم ابن ثاني في نسب بني العنبر.
وإليكم الحديث وشرحه من كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري لكي يزال اللبس الذي وقع فيه بعض القراء عند قراءة مقال ابن ثاني (الحديث: حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لا أزال أحب بني تميم وحدثني ابن سلام أخبرنا جرير بن عبدالحميد عن المغيرة عن الحارث عن أبي زرعة عن أبي هريرة وعن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: ما زلت أحب بني تميم منذ ثلاث سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهم، سمعته يقول: هم أشد أمتي على الدجال. قال: وجاءت صدقاتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه صدقات قومنا. وكانت سبية منهم عند عائشة فقال أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل).
الشرح:
حديث أبي هريرة أورده المصنف عن شيخين له كل منهما حدثه به عن جرير لكنه فرقهما؛ لأن أحدهما زاد فيه عن جرير إسنادا آخر، وساقه هنا على لفظ أحدهما وهو محمد بن سلام، وسيأتي في المغازي على لفظ الآخر وهو زهير بن حرب، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي، والحارث هو ابن يزيد، والعكلي بضم المهملة وسكون الكاف وليس له في البخاري إلا هذا الحديث، وقد أغفله الكلاباذي من رجال البخاري، وهو ثقة جليل القدر من أقران الراوي عنه مغيرة لكنه تقدم عليه في الوفاة، والإسناد كله كوفيون غير طرفية الصحابي وشيخ البخاري.
قوله: (مازلت أحب بني تميم) أي القبيلة الكبيرة المشهورة ينتسبون إلى تميم بن مر بضم الميم بلا هاء ابن أد بضم أوله وتشديد الدال ابن طابخة بموحدة مكسورة ومعجمة ابن الياس بن مضر.
قوله: (منذ ثلاث) أي من حين سمعت الخصال الثلاث، زاد أحمد من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة (وما كان قوم من الأحياء أبغض إلي منهم فأحببتهم) أ.هـ، وكان ذلك لما كان يقع بينهم وبين قومه في الجاهلية من العداوة. قوله: (هم أشد أمتي على الدجال) في رواية الشعبي عن أبي هريرة عند مسلم (هم أشد الناس قتالا في الملاحم) وهي أعم من رواية أبي زرعة.
ويمكن أن يحمل العام في ذلك على الخاص فيكون المراد بالملاحم أكبرها وهو قتال الدجال، أو ذكر الدجال ليدخل غيره بطريق الأولى.
قوله: (هذه صدقات قومنا) إنما نسبهم إليه لاجتماع نسبهم بنسبه صلى الله عليه وسلم في الياس بن مضر، ووقع عند الطبراني في (الأوسط) من طريق الشعبي عن أبي هريرة في هذا الحديث (وأتي النبي صلى الله عليه وسلم بنعم من صدقة بني سعد، فلما راعه حسنها قال: هذه صدقة قومي) أ.هـ، وبنو سعد بطن كبير شهير من تميم، ينسبون إلى سعد بن زيد مناة بن تميم، من أشهرهم في الصحابة قيس بن عاصم بن سنان بن خالد السعدي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا سيد أهل الوبر).
قوله: (وكانت سبية منهم عند عائشة) أي من بني تميم، والمراد بطن منهم أيضا، وقد وقع عند الإسماعيلي من طريق أبي معمر عن جرير (وكانت على عائشة نسمة من بني إسماعيل فقدم سبي خولان فقالت عائشة يا رسول الله أبتاع منهم؟ قال: لا. فلما قدم سبي بني العنبر قال: ابتاعي فإنهم ولد إسماعيل)، ووقع عند أبي عوانة من طريق الشعبي عن أبي هريرة أيضا (وجيء بسبي بني العنبر) أ.هـ، وبنو العنبر بطن شهير أيضا من بني تميم ينسبون إلى العنبر - وهو بلفظ الطيب المعروف - ابن عمرو بن تميم.
(تنبيه): وقع في نسخة الصحيحين (سبية) بوزن فعيلة مفتوح الأول من السبي أو من السبا، ولم أقف على اسمها، لكن عند الإسماعيلي من طريق هارون بن معروف عن جرير (نسمة) بفتح النون والمهملة أي نفس، وله من رواية أبي معمر المذكورة (وكانت على عائشة نسمة من بني إسماعيل) وفي رواية الشعبي المذكورة عند أبي عوانة (وكان على عائشة محرر) وبين الطبراني في (الأوسط) في رواية الشعبي المذكورة المراد بالذي كان عليها وأنه كان نذرا ولفظه (نذرت عائشة أن تعتق محررا من بني اسماعيل) وله في (الكبير) من حديث دريح وهو بمهملات مصغرا ابن ذؤيب بن شعثم بضم المعجمة والمثلثة بينهما عين مهملة العنبري (أن عائشة قالت: يا نبي الله إني نذرت عتيقا من ولد اسماعيل، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اصبري حتى يجيء فيء بني العنبر غدا، فجاء فيء بني العنبر فقال لها: خذي منهم أربعة، فأخذت رديحا وزبيبا وزخيا وسمرة) أ.هـ.
فأما رديح فهو المذكور، وأما زبيب فهو بالزاي والموحدة مصغر أيضا - وضبطه العسكري بنون ثم موحدة - وهو ابن ثعلبة بن عمرو، وزخي بالزاي والخاء المعجمة مصغر أيضا وضبطه ابن عون بالراء أوله، وسمرة وهو ابن عمرو بن قرط بضم القاف وسكون الراء، قال في الحديث المذكور (فمسح النبي رؤوسهم وبرك عليهم ثم قال: يا عائشة هؤلاء من بني إسماعيل قصدا) أ.هـ.
والذي تعين لعتق عائشة من هؤلاء الأربعة أما رديح وأما زخي، ففي سنن أبي داود من حديث الزبيب بن ثعلبة ما يرشد إلى ذلك، وفي أول الحديث عنده (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى بني العنبر فأخذوهم بركبة من ناحية الطائف فاستاقوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وركبة بضم الراء وسكون الكاف بعدها موحدة موضع معروف وهي غير ركوبة الثنية المعروفة التي بين مكة والمدينة، وذكر ابن سعد أن سرية عيينة بن حصن هذه كانت في المحرم سنة تسع من الهجرة وأنه سبى إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا والله أعلم.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: (ابتاعيها فاعتقيها) دليل للجمهور في صحة تملك العربي، وإن كان الأفضل عتق من يسترق منهم، ولذلك قال عمر: (من العار أن يملك الرجل ابن عمه وبنت عمه) حكاه ابن بطال عن المهلب.
وقال ابن المنير: لا بد في هذه المسألة من تفصيل، فلو كان العربي مثلا من ولد فاطمة عليهما السلام وتزوج أمة بشرطه لاستبعدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كون المسبي من ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه فالذي بالمثابة التي فرضناها يقتضي وجوب حريته حتما، والله أعلم. وفي الحديث أيضا فضيلة ظاهرة لبني تميم، وكان فيهم في الجاهلية وصدر الإسلام جماعة من الأشراف والرؤساء.
وفيه الإخبار عما سيأتي من الأحوال الكائنة في آخر الزمان.
وفيه الرد على من نسب جميع اليمن إلى بني إسماعيل لتفرقته صلى الله عليه وسلم بين خولان وهم من اليمن وبين بني العنبر وهم من مضر، والمشهور في خولان انه ابن عمرو بن مالك بن الحارث من ولد كهلان بن سبأ.
وقال ابن الكلبي خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وسيأتي بسط القول في ذلك في أوائل المناقب إن شاء الله تعالى).
وبعد هذا هو الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري وهذا شرحه.
ولا أدري لماذا يصر الكاتب عبدالله على الروايات المزعومة ويترك حديث أبي هريرة والوجهة الشرعية أن لا يتخبط الناس في أمور قد فصل فيها حديث صحيح، وكم كنت أتمنى أن يتراجع الكاتب عن نقولاته وأن يعتمد على الروايات الصحيحة وأن لا يجعل القارئ يتخبط في أمور قد يعرض نفسه فيها للمساءلة في الدنيا والآخرة. آمل أن لا يحدث ذلك والرجوع للحق فضيلة والحق أحق أن يتبع ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وبعد هذا ما أحببت إيضاحه وآمل نشره؛ إبراء للذمة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
محمد بن عبدالعزيز الفيصل
ص.ب: 151191 - الرياض: 11177