Al Jazirah NewsPaper Monday  22/01/2007 G Issue 12534
الرأي
الأثنين 03 محرم 1428   العدد  12534

وانشطرت ضلوعي على فراقك يا أخي
وسيلة محمود الحلبي

أخي يا قرة عيني.. جئتك ولكن بعد فوات الأوان، كان القدر أسرع من الطائرة.. وكان أمر الله قد نفد فانكسر قلبي وانشطرت ضلوعي ورددت بحزن عميق:

ما جئت أفرش درب حُبك بالدموع وبالنواح

جئت وفي كبدي هواك وفي الضلوع وفي الجراح

صلى عليك الله ربي في الغدو وفي الرواح

يا من صبرت على البلاء.. في المساء وفي الصباح

أخي يا ابن أمي وأبي صبرت على فراقك.. وتفطر قلبي بالأسى والحزن عليك لم يمهلك القدر لأراك.. فكان أسرع انها إرادة الله فهي أقوى من كل شيء.. أخي يا ابن أمي وأبي أيام وليال طويلة قضيتها انظر إلى مكانك اتخيلك في سرير مرضك داعيا راضيا محتسبا وصوتك يملأ المكان فأتوه مع الذكريات بعد ان ينفض المجلس من المعزين الذين ملأوا الحارة والبيوت، تلكم الذكريات لم تكن بعيدة جدا بل كانت في الصيف حيث قضيت بجانب سريرك أكثر أوقات إجازتي.. فلم أكن أفارقك إلا للضرورة القصوى، وكم كنت تزعل عندما ابتعد عنك أخي أيها الراقد في ديار الحق الآن..

كم يعزُ عليَّ حين أُدير عيني

أفتش في مكانك لا أراك

فيحترق قلبي وتعصف بي الذكرى، واحتبس الآه والدمعة وأدعو لك بالرحمة والمغفرة..

يا ابن أمي وأبي يا ذا القلب الكبير والنفس الكريمة.. أيها الطيب لم يبق أحد لم يعزني فيك، ولم يعرفك أحد ولم يحبك فسيرتك العطرة، وصفحتك البيضاء كانت عند كل من عرفك أو سمع بك.. يا أبا محمود بكتك الديار والحارة والجيران والياسمين وأوراق الآس والصفصاف.. بكتك الشآم كلها وبردى وقاسيون وبكتك الشوارع والسواقي ملء الجفون وبكتك الأشجار والمزارع وحقول الملوخية والزيتون والعصافير وطائر النورس الحنون.. يا ابن أمي وأبي..

ماللشآم قد اسودت لياليها

والحزن يمشي سريعا في روابيها

مالي أرى بردى ينهد مكتئبا

وادمع الورد فوق الأرض ترويها

مالي أرى الغوطة الغناء قد لبست

ثوب الحداد وقد فاضت مآقيها

وصوح الآس والصفاف في وطني

والياسمين الأس يلوي حواشيها

فالنواقيس والأكباد راجفة

وتطلق الآه تلو الآه تزجيها

إنه فراق الأحبة.. فأنت يا ابن أمي وأبي في القلب قابع وفي العقل والنفس والروح وفي كل الأماكن.. صورتك لا تفارق مخيلتي، وصوتك يرن في أذني.. ودعاؤك لي ورضاك عني في غربتي كم أسعدني، وموتك أخي كم كسرني.. فج في حلقي السؤال الحائر.. وهو يدور ويدور.. صارخاً.. لماذا؟.. لماذا؟ ارتحال الطيور لماذا؟ لماذا؟ الحياة تدور.. لماذا؟ لماذا؟ يكون رحيل.. بالأمس البعيد فقدت والدي- رحمه الله - وبعده فقدت أمي رحمها الله.. وها أنذا أفقدك أيها الغالي.. بكيتك بحرقة كما بكاك الجميع بحرقة فحبك سكن قلوب الجميع..

وإذا أحب الله يوماً عبده

ألقى عليه محبة في الناس

يا أبا محمود.. رحلت وتركت أطفالاً صغاراً بكوك بحرقة وألم فاطمئن في مرقدك.. فأطفالك أمانة في أعناقنا وهم في قلوبنا وعيوننا.. وأنت أيها الغالي معنا دائماً وأبدا فلن ننساك أبد الدهر فأعمالك الطيبة لم تمت بموتك وابتسامتك الهادئة، وروحك المرحة، وأكياس (الملوخية) التي كنت تحملها لكل محبوك في الصيف ليتزودوا بها للشفاء فأنت معنا.. وعلى الرغم من الأسى وعلى الرغم من الجراح وعلى الرغم من البكاء

يواجهني في كل وقت خيالك

كما كنت ألقاك قديما وتلقاني

يا ابن أمي وأبي.. عانيت من المرض كثيراً وكنت صابراً محتسباً حامداً شاكراً فكان ذكر الله لا ينقطع من فمك إلا ما ندر.. فإن مرضك المفاجئ والطويل هو كفارة لك - بإذن الله -.. وان نيتك لحج بيت الله الحرام قد تحققت - ولله الحمد - فهنيئا لك هذه الحجة يا أبا محمود.. وكلنا على يقين بأنه لكل أجل كتاب.. ولكن حزننا عليك كان ولا زال كبيراً جداً فانظر إلى اخوانك.. اخوتي أراهم قد كبروا عشرون عاماً بفراقك.. على الرغم من الصبر والاحتساب كانت عيونهم تغرورق بالدموع وكان ولا زال وجومهم كثيرا، وذكرياتهم معك لا تعد ولا تحصى. يا ابن أمي وأبي.. فارقتنا.. وشطرت أضلعنا كانت لديك أمنيات كثيرة لم تستطع تحقيقها، صبرت كثيراً على صروف الدهر وقسوته، وتجلدت كثيرا في مرضك وكان صبرك واضحا واحتسابك جليا، فهنيئا لك هذا الصبر وذاك الاحتساب. يا ابن أمي وأبي آه.. ثم آه.. ثم آه على فراقك لقد احترق قلبي.. وشل تفكيري ولكنها إرادة الله ولا راد لقضائه فأسأل الله أن يسكنك فسيح جناته ويلهمنا الصبر والسلوان وإنا على فراقك يا أبا محمود لمحزونون.

* وبعد أخي يا ابن أمي وأبي..

فعذرا لحزني يصبغ الحبر حمرة

لعلي إذا وفقت أشرح ما بيا

أبا محمود أدميت في القول مقولي

عذيري فيك الآن تدمي القوافيا

عليك سلام صوته من فم الحشا

يردد من بعد التحشرج صافيا

ستبقى لنا ذكرى جميلة

وحرزا حريزا ما توالت ليالي

وصفحاً أبا محمود فالشعر عاجز

وصفحا إذا أعجزت فيك المراثيا

وكيف سينقاد القريض لشاعر

تضرج منه الجفن.. والقلب باكيا

* لحظة حق: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}

للتواصل: تليفاكس 2317743- ص.ب 40799 الرياض 11511


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد