حاوره: فهد الغريري
كرسي استرخاء وثير، إضاءة خفيفة، موسيقى هادئة، وشخص يجلس على مقعد آخر ويمسك بيده ورقة وقلماً، هكذا هي صورة الطبيب النفسي وعيادته كما صورتها لنا الأفلام السينمائية، فهل هي كذلك على أرض الواقع؟ وهل حقاً يخشى الناس في دول العالم الثالث الذهاب إلى الطبيب النفسي خوفاً من القيل والقال حتى أنهم يأتون (إذا اضطروا) وقد أخفوا ملامح وجوههم؟ ماذا عن المجتمع السعودي المحافظ وكيفية تعامله مع فكرة الطبيب النفسي مقارنة بالتعامل مع الرقاة الشرعيين والمعالجين بالقرآن وغيرهم؟ وكيف ينظر الطب النفسي لفكرة دخول الجن في الإنسان في مقابل العلم الشرعي؟..
لماذا يكون (الهلع) كمرض نفسي هو الأكثر شيوعاً في المجتمع السعودي مختلفاً بذلك عن باقي دول العالم التي يأتي الاكتئاب في مقدمة أمراضها النفسية؟.. هذا ما صرح به لنا الدكتور طارق الحبيب استشاري الطب النفسي الذي يؤكد أن (الاكتئاب) يسبقه أيضاً مرض (الوسواس القهري) والذي يتركز غالباً في الممارسات الدينية اليومية كالوضوء والصلاة..
أسئلة وملفات كثيرة تم طرحها في هذا الحوار الذي أجرته (الجزيرة) مع د. الحبيب في عيادته الواقعة بالعاصمة الرياض والتي لفت نظرنا ازدحامالمراجعين في مدخلها بشكل جعلنا نعيد النظر في كثير من أفكارنا حول نظرة الناس إلى الطب النفسي، وبخاصة حين علمنا من الدكتور نائل مدير العيادة أن هذا اليوم يشهد أقل نسبة حضور مقارنة بالأيام الأخرى!.
* لفت نظرنا كثرة مرتادي العيادات، هل هذا يعبر عن كثرة المرضى النفسيين في المملكة أم ارتفاع الوعي بأهمية الطبيب النفسي ومراجعته وجعله صديقاً مع زحمة المدنية ومعطياتها؟
- هو يعبر عن زيادة الأمراض النفسية ليس في السعودية بحد ذاتها بل في العالم بشكل عام، ويعبر أيضا عن الوعي في المجتمع السعودي وهو من أكبر درجات الوعي على مستوى العالم العربي في ظني.
* كيف تقيم الوعي السعودي بأهمية الطبيب النفسي؟
- لم يتعمق بعد في فكر الإنسان السعودي، شخصياً أصنف نسبة الوعي بأنها مقبولة نسبة إلى ما نتمناه ونطمح إليه.
* ما أكثر الأمراض النفسية شيوعاً في المجتمع السعودي؟
- اضطرابات الهلع أو الذعر في المقدمة، يأتي بعدها الوسواس القهري، والاكتئاب رغم أن الاكتئاب دولياً يعتبر هو الأكثر لكن من خلال خبرتي الإكلينيكية في السعودية وجدت أن الهلع هو الأكثر.
* هل يمكن أن تعطينا فكرة عن الهلع وأعراضه؟
- هو عبارة عن نوبات مفاجئة بلا مقدمات: خفقان، رعشة، تعرق، شعور بأن الموت أمامك وكأنك تحتضر.. تستمر لمدة ثوان أو دقائق ثم تنتهي، ولكن يبقى الرعب من تكرار الحالة ويستمر هذا الرعب حتى يبدأ الشخص في الاعتذار عن بعض المناسبات الاجتماعية التي تكون في مكان بعيد أو عن السفر في الطائرة مثلا، ليس خوفا من الطائرة ولكن لأن المكان مغلق فيخاف الشخص أنه لا يستطيع الخروج لو حصل له شيء.
* ما سببه؟
- هناك ثلاث فرضيات علمية: الأولى فرضية بيوكيميائية أن هناك مادة بيوكيميائية وهي 5HT تؤدي إلى حدوث هذه الأعراض، الفرضية الثانية سلوكية، والثالثة معرفية وهي أن الإنسان يحدث له زيادة مفاجئة في التنفس فيخاف من حدوثه مما يؤدي إلى تكراره.. في نظري هو من أكثر الأمراض النفسية انتشاراً في السعودية وفي الخليج أيضاً ولا يعرف سبب هذا الانتشار.
* نعود للمرض الثاني الأكثر انتشار لدينا، الوسواس القهري ما هو؟
- الوسواس القهري عبارة عن أفعال أو حركات أو كلمات أو خواطر تحدث للإنسان وهو يعرف أنها خاطئة ويقاومها ولكنه لا يستطيع أن ينفك منها مطلقا مثل تكرار الوضوء أو الصلاة. وفي الأبحاث العلمية أن كل مجتمع يكون وسواسه القهري حسب اهتماماته، فإذا كان المجتمع متديناً فالتدين يصبغ مظاهر المرض ولكنه لا يؤدي إليه.
* كيف تعالجون هذه الأمراض الثلاثة، هل بالاستماع للمريض وتوجيهه أم عن طريق الأدوية وما الذي يؤثر أكثر؟
- نحن نجمع بين الأمرين، إذا كانت الأمراض خفيفة نقدم الجلسات النفسية على الدواء، وإذا اشتدت الحالة نقدم العقاقير الطبية وهي تعيد توازن تركيز نواقل عصبية.
القلق أكثر ما يصيب الأطفال
* ماذا عن المرضى من الأطفال، أعمارهم وأعدادهم، وما أكثر الأمراض شيوعا بينهم؟
- يأتينا كثير من الأطفال وربما في سن مبكرة جدا، وأكثر الأمراض شيوعا لدى الأطفال هو القلق حيث يتغير نظام نومه ويبكي بلا أسباب واضحة، ويظهر عليه الخوف والارتباك.
* هل تعرض الطفل لمشاهدة التلفزيون كثيراً يسبب القلق؟
- إذا كان التعرض موزونا ومتدرجا يخفف القلق، وأن يكون هناك تفسير سريع للمشاهد المرعبة بحيث يوضح له مثلاً أن هذا تمثيل ويتم التركيز على الجوانب العاطفية والرحمة عند مشاهد القتل أو التركيز على فن الممثل في التقمص والإبداع.
* كيف يعرف الوالدان أن طفلهما لديه مرض نفسي؟
- بالنسبة للطفل وكذلك الكبير، إذا أثر العرض النفسي على أحد أركان أربعة في حياتك: الاجتماعية، الوظيفية، الزواجية، أو الدراسية، تأثيراً جلياً فهذا مرض نفسي أما إذا لم يؤثر فهو مجرد ردة فعل وقتية.
الضعف الجنسي بين العضوي والنفسي
* كثر الحديث عن الفرق بين العجز الجنسي العضوي والآخر النفسي، فهل تأتيكم حالات مشابهة؟ وما سببه؟
- كثير، العجز الجنسي في أكثره عضوي، والعجز الجنسي النفسي أفضل علاج له في نظري هو العقاقير العضوية وبخاصة مع تطور الأدوية في هذا المجال، أما سببه فقد يكون ردة فعل بسبب فشل سابق يرتبط بالتالي مع الجنس ويترسخ في نفسه.
والأمراض الجنسية النفسية التي يعالجها الطب النفسي كثيرة سواء الضعف الجنسي أو سرعة القذف، أو الخوف من المباشرة عند المرأة، وقد أتتني امرأة قضت 13 عاما مع زوجها دون أن يحصل بينهما شيء وهي حالة نادرة. وبالنسبة لسرعة القذف فإن الأبحاث العلمية تشير إلى أن العادة السرية تؤدي إلى سرعة القذف في أول سنتين بعد الزواج ثم تزول.
* هل تعتقد أن الصيدليات لدينا تخضع لرقابة صارمة من حيث إمكانية صرف الأدوية بحيث لا يكون هناك مجال لصرف أدوية خطيرة قد تسبب هلوسة أو إدماناً أو أي أعراض خطيرة أخرى؟
- جميع الأدوية التي تسبب إدماناً لا يمكن أن تأخذها من الصيدلية بدون وصفة طبية، ووزارة الصحة تتابع الصيدليات بدقة، كما أنها تحدد عدداً معيناً من الصيدليات لبيع هذه العقاقير وتحسب عليهم الأدوية بالحبّة. ولكن ما نحتاجه حقيقة هو وعي مجتمعي بأن الاعتماد على مشورة الصيدلي أو أي شخص آخر غير الطبيب هو تصرف خاطئ لأن الأمراض تختلف من شخص إلى آخر، كما أن الأمراض تختلف في كينونتها فالكآبة مثلاً ليست حالة واحدة.
تاريخ الطب النفسي
* من الشائع أن الأمراض النفسية هي نتيجة طبيعية للحياة المدنية وانفصام العرى الاجتماعية، من هذا المنطلق هل للطب النفسي تاريخ قبل المدنية؟
- الطب النفسي بدأ في فترات مبكرة منذ عهد الإنسان الأول في التاريخ أو ما يسمى بالعصر الحجري حيث كانوا يقومون بفتح جمجمة الإنسان المصاب لإخراج الأجسام أو الأرواح الخبيثة في داخله، تطور تدريجيا هذا الاهتمام حتى عهد جالينوس وأبقراط، وامتد حتى العصر الإسلامي حيث تولاه رواد العلم الشرعي، ولعل هذا ما يعكس توجه الناس للمشايخ والوعاظ لتلقي العلاج النفسي ورفضهم للطب النفسي لأنه في البدايات كان المحدث والفقيه والطبيب هو نفس الإنسان، ولكن الآن تطور العلم وأصبحنا في عصر التخصص، تطور العلم تدريجيا حتى جاءت الفنون السلوكية وقد تطرق لها أبوزيد البلخي وابن سينا والرازي وعائلة الصقليين في تونس وهم من جمعوا بين علاج الجسد والنفس. والنهضة الحقيقية للطب النفسي في نظري هي للمجتمع الغربي الحديث وهي حقيقة يجب أن نعترف بها، وأيضا التقنية الهندسية الطبية التي واكبت هذا فأصبحت تعطينا قراءات ندرس من خلالها الدماغ البشري والنواقل العصبية لكل مرض.
الإشكالية بين الطب النفسي والرقية الشرعية
* هل يقارن عدد مرتادي عياداتكم بمن يذهبون للرقاة والمعالجين بالقرآن؟
- لا بالتأكيد فالفئة الأخرى أكثر، لأنه لم يزل وعي المجتمع بالطب النفسي وافتراض أن القرآن (مع التحفظ على وسائل بعض المعالجين) يختلف عن الطب النفسي ولا يمكن الجمع بينهما سبب في ذلك، عند المعالجين بالقرآن ما زالت الأرقام كبيرة.
* ما سبب قلة الوعي؟
- كثير من الناس بدأ يزداد وعيهم بهذه القضية، لكن بعض المعالجين بالقرآن يرفض هذا الجمع، والمعالجون النفسيون بسبب عدم وعيهم بالرقية ومفاهيمها لا يستطيعون التعامل مع هذا الجانب مما يوجد درجة من الفصام في الطرح.
* كيف نجمع بينهما؟
- الأصل في علاج أي علة أن تجمع ثلاث أسلحة: الجسد والنفس والروح، وكذلك الأمر عند الوقاية فالمقاومة والعلاج يجب أن تجمع هذه الأمور بغض النظر عن ماهية العلة الروحية أو النفسية.
* ألا تعتقد أن المعالجين بالرقية لديهم حضور نفسي بحيث يخرج المريض من عندهم وهو مرتاح مما يؤدي إلى توجه الناس إلى الرقاة أكثر؟
- لاشك وهذا مطلب للعلاج، الراقي الذي ليس عنده الحضور لا يؤثر ذاك التأثير، وهي قضية مثبتة علمياً وأيضاً ذكرها السلف، فابن القيم يقول: إنما السلاح بضاربه، وهذه إشارة للقوة النفسية في الراقي، ولذلك بعض الناس فيه دين ولكنه لا يؤثر كشخص آخر يملك تركيبة نفسية أقوى وبخاصة في أصحاب النفوس الهشة من المرضى.
أفكار للجمع بينهما
* هل هناك جهود للجمع بين العلاج النفسي الإكلينيكي وبين الرقية إذا وضعنا في بالنا أن المجتمع متدين بطبعه وهو ينحاز إلى الدين بشكل أساسي؟
- تقدمت بمشروع لمجلس الشورى وهو منهج علاجي مقترح لاستخدام العلاج بالقرآن، وحتى الآن لم أتلق الرد حوله.. وسبق أن كتبته لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض وتم تحويله إلى بعض الجهات الشرعية في البلد.
* ألم يتم تنظيم ملتقيات أو مؤتمرات تعنى بتضييق الفجوة بين العلاج النفسي وبين العلاج بالقرآن، بحيث تقلصون الانتكاسة التي قد تحدث عند مراجعة بعض المشعوذين واستغلال هؤلاء للعاطفة الدينية عند الناس؟
- مؤسسة الحرمين أقامت قبل عدة سنوات مؤتمراً محلياً في المنطقة الشرقية حضره بعض المختصين والمعالجين بالقرآن من المشايخ، لكن هذه المؤتمرات التي تعنى بصحة الناس إن لم يتبعها قرار إداري أو سياسي ينقل على أرض الواقع تلك التوصيات فإنها لا تؤدي دورها.
* ما أهم التوصيات التي تمنيت أن يتم تطبيقها؟
- تقنين العلاج بالقرآن، فالسؤال الأول الذي يجب أن يوضع في هذه المؤتمرات هو: هل القرآن يعالج الأمراض أم لا؟ لأن هناك شرعيين يقولون إن القرآن كتاب دين ودعوة ولا يعالج الأمراض، رغم أنهم قليلون جداً وفي دول متباعدة ولكن يجب أن نفتح هذا الموضوع.
ثم إذا كان يعالج الأمراض، فأي الأمراض يعالج؟ أو كل الأمراض؟ ثم إذا حددنا تلك الأمراض فكيف يؤثر فيها؟ وهل للمعالج دور وكذلك طريقة المتلقي وما نسبة هذا إلى هذا؟ ثم إذا اتفقنا على ذلك كيف نقدم العلاج بالقرآن؟ ما هيالطريقة التي يمكن أن تكون متداولة وليست خصوصية أفراد! ولذلك في المقترح الذي قدمته إنشاء عيادات قرآنية وليست استراحات أو بيوتات، أقترح أن يدرس المعالج دبلوم مدته سنتان مثلاً يتناول فيه الأمراض بمفاهيمها العامة، أساسيات الدين الإسلامي بشكل عام، والعلاج بالقرآن له جانبان، صحي وشرعي؛ لذا يجتمع علماء الشريعة والطب في التدريس، ثم يتخرج كمعالج بالقرآن ثم يكون هذا المعالج جزءاً من فريق العمل في المستشفى وليس في عيادة خاصة له، ليس دوره تشخيص أمراض بل يستخدم القرآن عن طريق التذكير بما فيه وتوجيه المريض بالأدعية والأذكار وغيرها وليس الرقية والنفث فقط.
هنا نبعد خصوصية المعالج كشخص وتعلق المريض بالمعالج تعلقاً مرضياً، حيث يتعلق بعضهم بالمعالج أكثر من تعلقه بالقرآن نفسه! ثم أيضاً نحجم الأخطاء العضوية التي يرتكبها بعض المعالجين، وكذلك نحدد المنهج النبوي الصحيح ونبعد الجوانب الاجتهادية الخاطئة حتى تدخل بوتقة البحث العلمي وتدرس كطريقة علمية إضافية.
* نما إلى علمنا أنك سترأس اللجنة العلمية في مؤتمر بهذا الخصوص تستضيفه أبوظبي حدثنا عنه؟
- هو أول مؤتمر دولي عن العلاج بالقرآن بين الدين والطب على مستوىالعالم الإسلامي، يجتمع فيه علماء الشريعة والأطباء والمعالجين بالقرآن ليتناقشوا حول هذا الموضوع، وسيكون المؤتمر في نهاية ربيع الأول القادم وتحديداً من 10 إلى 12 إبريل، هو مؤتمر علمي محكم فيه أبحاث علمية مقننة وليس مجرد وعظ بلا ضوابط.
* متى آخر حد لاستقبال البحوث؟
- آخر موعد هو 20 فبراير، ومن منبر (الجزيرة) أدعو الباحثين والأطباء للإسراع في إرسال بحوثهم وأن تتم مراسلتنا عبر موقع المؤتمر.
* هل من الممكن أن نعرف بعض الأسماء التي ستشارك؟
- هناك الشيخ علي جمعة من مصر، والشيخ صالح آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية، والشيخ أحمد هليل قاضي القضاء الأردني، كما حرصنا على مشاركة كافة وزراء الأوقاف العرب والدعوات ذهبت إليهم ولكن لم تصل الردود من بعضهم.
* ماذا عن وزراء الصحة؟
- تم دعوة بعضهم، وأيضاً من خلال (الجزيرة) أجدد دعوتي للدكتور حمد المانع وزير الصحة لأننا أرسلنا إليه دعوة للحضور ولم يأتنا الرد حتى الآن.
* هل من الممكن أن نعرف الأبحاث التي ستقدمها حتى نأخذ فكرة عن نوعية العناوين التي يطرحها المؤتمر؟
- سأقدم أربعة أبحاث في هذا المؤتمر؛ الأول: عن نظرة المعالجين بالقرآن في السعودية للطب النفسي، الثاني: الوسائل التشخيصية والعلاجية عند المعالجين بالقرآن في السعودية، الثالث: مقترح للعلاج بالقرآن، الرابع: الصرع النفسي أو الهستيري وهو الذي سبب الخلط على مستوى الأمة ويسميه المعالجون بالقرآن: صرع الجن.
* بعد نهاية المؤتمر سيكون هناك توصيات، هل هناك آلية لتطبيقها أم سيتكرر ما حدث في مؤتمر الشرقية؟
- هناك توجه على مستوى الخليج والعالم الإسلامي أن هذا الأمر قد بلغ فيه السيل الزبى ويريدون الوصول إلى حل نهائي وبخاصة مع انتشار القنوات التي تعبث بعقول الناس والتي تتسمى باسم الدين.