لم يرتبط النبل والعراقة في المجتمع العربي بكثرة المال والثراء، بل ارتبطا بكثرة الصفات الحميدة التي يتوارثها الأبناء عن الآباء جيلا بعد جيل. فالقبائل التي تتوارث أفضل أسرها الأعمال الجليلة وتشتهر بالكرم والمروءة والحكمة والوفاء بالعهد والنجدة والعدل ونصرة المظلوم تعد من الأسر النبيلة التي تحوز القيادة والسيادة حتى ولو لم تكن ذات مال، وتأكيداً لذلك أنه سئل (صلى الله عليه وسلم): أي الناس أكرم؟ قال:.. فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم. قال: فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (صحيح البخاري). وهذا ينطبق على قريش حيث كانت أفضل قبائل العرب في الجاهلية قبل الإسلام، ثم لما جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- من بني هاشم، وهم من قريش أصبح للذين فقهوا رسالته وآمنوا بها من قومه لهم الأفضلية في العراقة والأصالة، وقد جمع محمد -صلى الله عليه وسلم- هذه العراقة والأصالة في قريش والعرب عامة من أطرافها، فنسب أمه يلتقي مع نسب جده الأكبر لأبيه كلاب بن مرة بن كعب، فوالده هو عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، وأمه هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب، وينتهي هذا النسب إلى عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم أبو الأنبياء عليهما السلام. وأكد اصطفاء نسبه بقوله: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) (رواه مسلم).
ولم يكن هذا التميز لهذه القبيلة ولأسرة بعينها من تلك القبيلة بسبب امتداد جذور نسبها إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام فحسب، إذ إن النسب العظيم وحده ما كان ليجعل هذا الاصطفاء الإلهي يستمر فيها لولا استمرارها في الاضطلاع بجلائل الأعمال على خطى أبيها إبراهيم عليه السلام عبر العصور، ويأتي في مقدمة جلائل الأعمال خدمة البيت العتيق الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في وادي البطحاء بمكة المكرمة.
تولت قبيلة جرهم أمر مكة المكرمة بعد إسماعيل عليه السلام، ولكنها لم تستطع أن تحافظ على حرمة البيت العتيق، فكثر في عصرها البغي والفساد، وسرق الكثير من مال الكعبة، ونضب في عهدها ماء زمزم واختفت معالم بئر زمزم، فلم يتعرف على مكانها أحد. وقد قوض كل ذلك مكانتها الروحية عند العرب، وانتهى سلطانها على مكة بهزيمتها على يد قبيلة خزاعة التي هاجرت من اليمن إثر انهيار سد مأرب بسيل العرم بقيادة ثعلبة بن عمرو بن عامر وابن أخيه ربيعة بن حارثة بن عمرو بن لحي.
ورغم أن بني إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام قد اعتزلوا الحرب التي دارت بين قبيلتي جرهم وخزاعة إلا أنهم انحازوا في الأخير إلى صف خزاعة، وقد أعطى هذا الانحياز شرعية لحكم خزاعة في خدمة البيت العتيق.
استمر حكم خزاعة خمسمائة سنة حتى دب فيها الضعف الذي لم يعد يؤهلها لما تقوم به، وآن لشمس قبيلة قريش التي كانت متفرقة في بني كنانة أن تشرق على يد قصي بن كلاب الذي وحد فروعها، وجمع شملها، وخاض حربا طويلة مع خزاعة لانتزاع حق خدمة البيت العتيق، وانتهت هذه الحرب بالتحكيم الذي أعاد لقريش حقها الشرعي في خدمة الكعبة، ومنذ ذلك الحدث ارتفعت مكانة قريش بين العرب.
أنزل قصي بن كلاب قومه حول البيت العتيق لتيسير خدمته، ووزع مسؤوليات هذه الخدمة من حجابة وسقاية وسدانة ولواء عليهم جميعا، وأسس دارا سماها (دار الندوة) لرفع الظلم عن المظلومين، والفصل في الخصومات، والإصلاح بين الناس، وكان يدير اجتماعاتها بنفسه ويرعى شؤونها، وفرض على قريش ضرائب سنوية يدفعونها له لينفقها على خدمة حجاج البيت العتيق وإطعام الفقراء والمساكين.
وبعد قصي تولى الأمر ابنه الأكبر عبدالدار ثم عبد مناف وعبد شمس. ولما دار صراع على خدمة البيت العتيق بين الأحفاد في الأسرة نفسها، تم تقسيم المسؤوليات التي نالها (بنو عبد مناف) بين (هاشم) وأخيه (عبد شمس). فكانت سقاية الحجاج ورفادتهم في (بني هاشم) والقيادة في (بني عبد شمس).
وبعد وفاة (هاشم) تولاها أخوه (المطلب)، ومن بعده خلفه ابن أخيه (عبدالمطلب بن هاشم) جد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ثم اتصلت إلى ابنه (العباس بن عبدالمطلب) بعد ظهور الإسلام.
وبعد فتح مكة المكرمة ودخول الناس في دين الله أفواجا أبقى الرسول (صلى الله عليه وسلم) ذلك الشرف لمن توارثوا خدمته، فاستمرت السقاية والرفادة في يد العباس بن عبدالمطلب، كما استمرت الحجابة واللواء ورئاسة (دار الندوة) في بني عبدالدار، وأعطاهم مفاتيح الكعبة بعد تحريرها من الأصنام ومظاهر الوثنية والشرك، وذلك إنفاذاً لأمر الله تعالى الذي أنزل على نبيه (صلى الله عليه وسلم) قوله: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (58) سورة النساء.
والقراءة الواعية لهذا التاريخ تكشف لنا أن الصراع في مكة كان على الشرف وليس على السلطة، وأن الشرف كان خدمة حجاج البيت العتيق. وأن السلطة وحدها دون شرف خدمة البيت العتيق غير ذات قيمة عندهم بدليل أن نجم (هاشم) عندما علا في سماء العرب بخدمة حجاج البيت العتيق حسده ابن أخيه أمية بن عبد شمس الذي كانت له القيادة، فلم يشعر بأنها الشرف الأعلى فحاول أن ينافس في إطعام الحجاج وخدمة الكعبة!
في هذا كان (الشرف) عند العرب، وعليه تنافسوا، ومنه كانوا يستمدون عظمة انتسابهم إليه. وقد أخذت قريش مكانتها ليس لأنها أقوى قبائل العرب عدة وعتادا ولا لأنها أكثرها مالا، فقد كان في العرب من هو أقوى منها، وأغنى منها. وإنما حازت قريش السيادة والزعامة عند العرب لثلاثة أسباب: أولها مكانتها الروحية المتمثلة في خدمتها للكعبة وحجاج هذا البيت العتيق. وثانيها مكانتها الأخلاقية لما يظهره زعماؤها من المروءة والحكمة والحصافة واللين. وثالثها مكانتها الإستراتيجية وذلك لموقعها على طريق القوافل التجارية السائرة إلى اليمن والشام وأطراف الجزيرة العربية، وما عقدته قريش من تحالفات مع بعض القبائل لضمان أمن هذا الطريق وحراسته.
والدليل على أن قريشا لم تعتمد على قوة مادية في إحراز تلك المكانة أنها انهزمت عسكريا في كثير من حروبها مع المناوئين لها مثل حروب الفجار الأربع. وعندما ظهر الإسلام على يد واحد من أشرف أبنائها انهزمت قريش أمامه لا لأنه أقوى منها ماديا وعسكريا بل على العكس كانت القوة الإسلامية المنشقة من قريش أكثر ضعفا منها في الجيش والعدة والعتاد، ولكن الإسلام سحب البساط من تحت قريش روحيا وأخلاقيا واقتصاديا. وهو ما سنقف عنده الأسبوع القادم بتوفيق الله.
***
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS
تبدأ برقم الكاتب«777» ثم أرسلها إلى الكود 82244