في فترات من الحياة الأندلسية المتقلبة سياسياً وثقافياً، كان للمرأة صورة تتفاوت بين الحسية والرمزية، غير أن الغالب الأعم وصفاً جسدياً لا يتجاوزه إلى مشاعر بشرية جديرة بسبر أغوارها، والتلذذ بالحديث عن المشاعر والمحبة والنوى والقرب وغيرها من المعاني الحسية الرائعة الجميلة.
|
لكن تلك الصورة الغالبة للشعر الأندلسي في المرأة قد سما به بعض من شعراء الأندلس مثل ابن زيدون في قصائده الرائعة التي كان جلّها في ولادة بنت المستكفي حتى وإن لم يصرح باسمها فها هو يقول في إحدى قصائده:
|
ألم ألزم الصبر كيما أخف |
ألم أكثر الهجر كي لا أمل |
ألم أرض منك بغير الرضى |
وأبدي السرور بما لم أنل |
|
عليك السلام سلام الوداع |
وداع هوى مات قبل الأجل |
وما باختيار تسليت عنك |
ولكنني مكره لا بطل |
|
أعقيلة السَربِ المُباح لوردِها |
صَفوُ الهَوى إذ حُلِّئ الوُرّادُ |
ما للمَصائد لم تَنَلكِ بحيلةٍ |
إنَّ الظباء لَتُدرى فَتُصادُ |
أما الشاعر أبو جعفر القيسي فهو القائل:
|
هو الهوى وقديماً كنت أحذره |
السقم مورده والموت مصدره |
بالدعة أجلا من نظرة أمل |
الآن أعرف رشداً كنت أنكره |
أما العلامة ابن حزم فقد أورد في كتابه (طوق الحمامة) شيئاً عن المرأة لم يتجاوز فيه المشاعر إلى الجسد حيث قال:
|
وددت بأن القلب شق بمدية |
وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري |
فأصبحت فيه لا تحلين غيره |
إلى ملتقى يوم القيامة والحشر |
تعيشين فيه ما حييت فإن أمت |
سكنت شغاف القلب في ظلم القبر |
فهذا الفيض في المشاعر الصافية، وهذا التدفق العاطفي الهادر نادر في الشعر العربي، وبخاصة الأندلسي.
|
غير أن هذا النموذج المثالي لصورة المرأة قليل في الشعر الأندلسي، إذا ما قورن بصورة المرأة في بعدها الجسدي، وهو الاتجاه الغالب.
|
ولعل أبرز مظهر من مظاهر هذه الحسية يتجلى في وصف جمالها الجسدي، والنظر إليه عضواً، من قمة الرأس إلى أخمص القدم. وبمقدار توافق تلك الأعضاء للذوق العام بمقدار ما تحظى بإعجاب الشاعر والرجل عموماً. وهو ذوق يعتمد على مقياس جمالي يكاد يكون ثابتاً منذ عهد امرئ القيس: أي المرأة البيضاء البشرة، ذات القد المياس، والخدود الحمراء والشعر الأسود المسترسل، والعيون النجل، والرقيقة الخصر، والضخمة الأرداف.. إلى آخر النقش.
|
|
وعجزاء لفاء وفق الهوى |
تحيرت فيها وفي أمرها |
غلامية ليس في جسمها |
مكان رقيق سوى خصرها |
ويتكرر هذا النموذج لجمال المرأة ويستمر إلى عهود متأخرة، فلحازم القرطاجي قصيدة مطولة تتبع فيها هذه الصفات الجمالية في المرأة عضواً عضواً.
|
إن مثل هذه النظرة إلى الجمال عضواً عضواً لا تتسم بالحسية فقط بل هي صور تجزيئية للجمال، سطحية وخارجية، لا تكاد تتجاوز سطح الجسد إلى ما وراءه من كيان إنساني وأحاسيس بشرية، فمثلاً المرأة عند ابن حمديس هي المرأة الغانية، التي تسلب الألباب، قوامها كالغصن وأردافها كالنقا وثغرها كالأقاح وهي كالمهاة حين ترنو في نقابها. وكالظبية في التفاتتها وجمال عنقها، رضابها كالطل، كالروضة تعبق نشرا، الخ.. كما في قصيدة له:
|
بأبي من أقبلت في صورة |
ليس للتائب عنها من متاب |
كل حسن كامل في خلقها |
ليتها تنجو من العين بعاب |
فالقوام الغصن والردف النقا |
والأقاح الثغر والطل الرضاب |
طيبة في العقد إما التفتت |
ومهاة حين ترنو في النقاب |
إنها امرأة لا يصرح الشاعر باسمها، امرأة استوفت كل شروط الجمال، ونحن أمام صورة لدمية جميلة، لكن لا ملامح تحدد شخصيتها أو أحاسيس تنم عن دواخلها.. غير أن ابن حمديس كثيراً ما اتخذ من جمال المرأة رمزاً لحنينه وأشواقه، وبخاصة في المقدمات الغزلية لأمداحه في أواخر حياته، حيث تصبح المرأة مرتبطة بتجربة الغربة التي عاناها منذ أن خرج من وطنه صقلية، وحيث يصير حب المرأة جزءاً من حبه للوطن ومن الحنين العارم إليه كما في هذا البيت يصف حنينه إلى فتاة صغيرة السن ويشبهه بحنينه إلى وطنه.
|
رشأ أحن إلى هواه كأنه |
وطن ولدت بأرضه ونشيت |
|
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«6227» ثم أرسلها إلى الكود 82244
|
|