Al Jazirah NewsPaper Friday  09/02/2007 G Issue 12552
أفاق اسلامية
الجمعة 21 محرم 1428   العدد  12552
الشيخ المالكي يحدد ضوابط وآداب الرحلات البرية
الإسلام دين اليسر والسماحة.. والحذر الحذر من المنكرات

* إعداد - محمد بن إبراهيم السبر :

مخيمات برية ونحوها

بيّن عضو التوعية الدينية بالأمن العام الشيخ سلمان بن يحيى المالكي وإمام وخطيب جامع الفتح بالرياض أن دين الإسلام دين يسر وسهولة وفسحة وسماحة، واستشهد بما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني أرفدة: (خذوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود أن في ديننا فُسحة)، وقال فضيلته هذا الإسلام الجمّ لا يمنع مطلقاً الترويح عن النفس، ولا قضاء بعض الوقت في الاستجمام والراحة، فإن لنفسك عليك حقاً، حيث روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدو إلى السلاع)، والسلاع هي مجرى الماء من أعلى الوادي إلى أسفله.

والمراد أنه كان يخرج إلى البادية لأجلها، فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأوقات يخرج فيها ليستجم ويروح عن نفسه عليه الصلاة والسلام، وهذا النوع من الخروج إلى البادية هو نوع محبب إلى النفس وفيه ترويح كبير.. وتناول فضيلته جملة من الآداب والفوائد نترككم معها.

فرصة للتفكر

منها الخروج للبر فرصة سانحة لأن يتأمل المسلم ملكوت السموات والأرض، فيرى السماء بصفائها وبهائها ثم يسرح بخياله مرة أخرى في هذه الأرض وكيفية انبساطها وكيف جعلها الله ذلولاً نمشي في مراكبها، ليتمكن الخلق من الانتفاع بها، وفي هذه الجبال الشاهقة الراسية العالية التي هي بمثابة القاعدة للأساس، فهذا الكون بجماله وكماله وسحره وأناقته مسارٌ في التفكر والتأمل في آيات الله تعالى المسطورة في كتاب الله والمنثورة في الكون التي هي في الأصل نوع من أنواع العبادة، تحصل بجلاء لمن خرج إلى البر أو البادية، لكن كثيراً من الناس يتفاوتون في خروجهم إلى هذه الجهات البرية، فمن كان الله تعالى شُغله الشاغل وهمه المهم، فإنه يجعل من خروجه ذلك ورحلته تلك مرضاة لله تعالى، فيُقيم أساسها على تقوى من الله ورضوان لا يغفل عن ذكر الله وعن الآداب والأحكام لحظة واحدة، أما إذا كان همه اللهو واللعب وتضييع الأوقات فإنه لعمر الله في غفلة عظيمة عن مثل هذه الآداب والأحكام مع ظنه أن الأمر لهو ولعب ومرح فقط، والحقيقة ليست كما يريد.

آداب الرحلات

وبين فضيلته أن للخروج في هذه الأماكن من البادية أو الشواطئ البحرية التي تكمن خارج المدينة آداباً وأحكاماً يحسن بالخارج إلى مثل هذه الأماكن التنبه إليها والعلم بها فمن الآداب المهمة التي ينبغي التأدب بها عند الخروج لمثل هذه الأماكن ذكر دعاء النزول مستدلاً، فعن خولة بنت حكيم رضي الله عنه أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من مكانه) رواه مسلم، وروى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لدغت عقرب رجلاً، فلم ينم ليلته، فقيل للنبي الله صلى الله عليه وسلم، إن فلاناً لدغته عقرب، فلم ينم ليلته، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما إنه لو قال حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ما ضره لدْغُ عقرب حتى يصبح)، فهذا الدعاء الذي يُقال عند النزول في أي مكان كما يقال في الصباح والمساء، له أهمية كبيرة ومفعول عجيب، فهو حري وكفيل بإذن الله أن يمنع عنك لدغ العقارب والثعابين، إلا ما شاء الله تعالى من الغفلة التي تصيب القائل أو الناسي الذي ينسى هذا الدعاء فيقع في مقدور الله تعالى.

أحكام العبادات

كما تطرق الشيخ سلمان المالكي للأحكام التي تتعلق بالعبادات كالصلاة وأحكام القصر والجمع والطهارة والأذان والمسح على الخفين فقال فضيلته يسن للنازل أن يخصص مكاناً للصلاة، يصلي فيه ويرفع الآذان منه لكل صلاة في وقتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي صعصعة المازني: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنْت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) رواه البخاري، وإن كان النازل قد خرج عن البلد مسافة السفر فإنه يجوز له القصر والجمع، وقصر الصلاة في وقتها أفضل، كما أن الجمع في حال الحركة أفضل، ويؤذن من القوم أنداهم صوتاً، وإن كان الوقت وقت برد فإن المسلم يحرص على إسباغ الوضوء وإكماله ولو كان توضوء لكل عضو مرة مرة.

وأشار فضيلته على ما قد يواجه كثيراً ممن يخرجون إلى البر حالات يحتاجون معها إلى غسل الجنابة، فينبغي لمن خرج مع قوم أن يهيئ مكاناً للغسل ما يُسهِّلُ لهم أمر الاغتسال من ماء ساخن ونحو ذلك، فإن هذا مما يجب وجوباً لا تساهل معه كما قال بعض العلماء، أما لو فُرض أن الإنسان ما استطاع أن يغتسل لسبب ما فإنه يكفيه أن يتيمم ويأخذ بالرخصة في حالة الضرورة فقط، وإلا فإن الأصل الاغتسال وإن كان المسلم في البر، ومن الاحكام المتعلقة أيضاً: المسح على الجوربين أو الخفين يوماً وليلة للمقيم إن كانت المسافة أقل من مسافة السفر، وثلاثة أيام بلياليها إن كانت المسافة مسافة سفر.

صلاة الجمعة

كما نبه فضيلته إلى أن مما ينبغي معرفت أيضاً حال الخروج إلى مثل هذه الأماكن: ما يتعلق بصلاة الجمعة، فإن الخارج من مكانه إلى مكان يعد سفراً أو له حكم السفر فإنه لا تلزمه الجمعة، وإن كان القوم قد نزلوا بجوار قرية يصلون فيها الجمعة فلهم الخيار في الذهاب إلى صلاة الجمعة أو البقاء في أماكنهم، وإن ذهبوا كان خيراً لهم، وعليهم أن يتنبهوا إلى أن صلاة العصر لا تجمع مع صلاة الجمعة أثناء السفر لعدم الدليل ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، لأن صلاة العصر ليست من جنس الجمعة، فصلاة الجمعة عبادة مستقلة عن العصر لها أحكامها وتشريعاتها، كما أن العصر عبادة مستقلة عن الجمعة.

صلاة الفجر

وشدد الشيخ المالكي على أنه يجب على من كان في البر الحرص على الاستيقاظ لصلاة الفجر وبذل الأسباب للاستيقاظ للصلاة، حيث أبان فضيلته، أن الغالب على من يخرج إلى مثل هذه الأماكن السهر الطويل الذي من خلاله يفوِّت عليهم صلاة الفجر، وفي هذه الحالة يجب عليهم اصطحاب ما يعينهم في إيقاظهم من منبه وغير ذلك، وإن لم يتمكنوا من جلب ما يوقظهم أو غلب على ظنهم عدم سماع ما جلبوه لإيقاظهم فإن من السنة أن يستيقظ واحد منهم طيلة الليل حتى يوقظهم لصلاة الفجر، وإن تناوبوا كان حسناً، ولا يكون الموقظ لهم في البر هي حرارة الشمس كما يفعل بعض من الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تطبيق السنن

كما أوضح المالكي أهمية أن يتهيأ للخارج إلى البر تطبيق سنن لا يمكن تطبيقها في المدينة، كالصلاة في النعال، فقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (صلوا في نعالكم، ولا تشبهوا باليهود) رواه الطبراني، فمثل هذا الحكم قد لا يتسنى لنا تطبيقه في مثل هذه المساجد المفروشة بالسجاد، لأن فيها إتلافاً لها وربما يلحقها أذى من الداخل بنعليه.. ومن السنن أيضاً: أن القوم إذا كانوا جماعة وذبحوا ذبيحة، فليتحر الذابح النية لله تعالى فإنها عبادة عظيمة كما قال الله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)فإذا ذبحت لتأكل فلا يكن همك التمتع بالذبيحة وسلخها وتقطيها وطبخها، بل تذكر أن ذبحها عبادة لله تعالى، ومن تولى الذبح فليحرص على القيام بسنن وآداب الذبح من التسمية وتحري القبلة والرحمة بالمخلوق.

تجنب المنكرات

وشدد المالكي إلى أهمية تجنب المنكرات التي قد تقع في تلك الأماكن كاختلاط الرجال بالنساء، فينبغي البعد كل البعد عما فيه شبهة توقع الاختلاط بين الرجال والنساء والشباب والفتيات، وكذلك التساهل في قيادة المرأة للسيارة في البر وربما يحدث من خلال هذا التساهل ما لا يحمد عقباه وتقع حينها المصائب فيجب الحذر والتنبه إلى مثل هذه الأمور.

السهر على المعاصي!!

ومن المنكرات التي تقع من البعض يقول المالكي: السهر على معصية الله تعالى فتجد بعض الناس يضيعون الأوقات في الغناء والطرب، وتجلس أحياناً تسمع قرع الطبول والدفوف في ساعات متأخرة من الليل، والغناء والموسيقى تُرفع على مرأى ومسمع من الناس إلى قبيل صلاة الفجر، ثم ينامون عن الفجر والله المستعان، فلم يسلم البر اليوم من أذى العصاة ومعاصيهم الذين يصطحبون معهم آلات اللهو ويقع الاختلاط وربما اصطحب بعضم في تلك السهرات مشروبات محرمة، لا يتقون الله لا في البر ولا في المدينة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أشياء مفيدة

وأهاب فضيلته بكل مسلم أن يحرص على الأشياء المفيدة كأن يجلب معه بعض الكتيبات البسيطة ككتب الفقه الصغيرة ليرجع إليها عند الحاجة، أو كتاب يختص بالأذكار ليكون الذكر رفيقك في حاضرتك وباديتك، أو تودع في جوالك رقماً معيناً لشيخ تثق في علمه لتتصل عليه متى ما احتجت إلى ذلك، وأن تصحب الرفقة الصالحة الطيبة التي يعينونك على الخير ويذكرونك به، حتى تعبدالله على بصيرة وإن كنت في البر.

حق الجيران

ونبه المالكي محبي الرحلات البرية إلى إعطاء الجيران حقوقهم، فقد تجد بجانبك أو على مقربة منك بعض الجيران الذين خرجوا لأجل الغرض الذي خرجت لأجله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند طبخ اللحم من إكثار المرقة وتعهد الجيران والإهداء إليهم منها، فالتعرف عليهم وإسداءُ بالمعروف لهم وخدمتهم والتواضع لهم من الآداب التي يشترك فيها الناس في البر والمدن، وهو في البر آكد، فقد يحتاج أحدهم حاجة أو تقع سيارته في حفرة فيطلب منك معونة فلا تتوان أن تقدم لهم ما يريدون، ومن الآداب أيضاً: دلالة المسترشد الذي ضل في البر فترشده إلى ما يريد إن كنت عالماً لما يريد فهذا من أعظم الصدقات عند الله تعالى، ومن السنن أيضاً: ذكر الله تعالى عند كل شجر وحجر، وكذا: التأدب بآداب الخلاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الغائط أبعد حتى لا يراه أحد، ولا يرفع ثوبه إلا إذا دنا من الأرض، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، وكان يتعوذ بالله من الخبث والخبائث، وتجنب التخلي في طريق الناس وظلهم، ومن الآداب أيضاً: التنبه إلى إطفاء النار ليلاً لمن أراد النوم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (النار عدو فاحذروها، وكان عبدالله بن عمر يتتبع نيران أهله فيطفئها قبل أن يبيت) رواه أحمد.

آداب الصيد

ونبه الشيخ المالكي من خرج لأجل الصيد ألا يكون شغله الشاغل ما خرج لأجله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن اتبع الصيد غفل) رواه أبوداودن كما أنه يحذر من تعذيب الحويوانات أو اصطيادها من غير حاجة كمن يصطاد ثم يرمي، فهذا من العبث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم الذنوب عند الله رجلٌ تزوج امرأة فلما قضى حاجته منها طلقها وذهب بمالها، ورجل استعمل رجلاً فذهب بأجرته، وآخر يقتل دابة عبثاً) رواه الحاكم في المستدرك وهو حديث حسن، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من مثّل بالحيوان، وما يحدث من بعض الناس أنه يجعل حيواناً من الحيوانات مناصاً لتدريب صقره لينهش من لحمه وهو حي فإنه من العبث الذي لا يرضاه الإسلام، ومن عزم على الخروج لأجل الصيد فإنه يتعين عليه أن يقرأ ويتعلم ما يحتاجه في الصيد من أحكام شرعية ليرفع الجهل عن نفسه، حتى يعرف ما يقتل وما لا يقتل ويصيد وما لا يصيد، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النمل والنحل والهدهد، كما أنه لا يجوز ترك ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله كالأوزاغ والعقرب والحدأة والغراب والكلب العقور وجميع الحيات بأنواعها فإنها تقتل جميعاً.. وليحرص الخارج إلى الصيد تتبع الكمأة التي يسميها العامة بالفقع فإن فيها من الفائدة ما أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين) رواه البخاري، فإذا وجدتها في تلك البراري فاغلها بالماء وكلها.

واختتم الشيخ المالكي حديثه حول الآداب بقوله إنها كثيرة جد والمقصود من إيراد هذه الآداب أن نعلم أننا مسلمون وأننا حيثما حللنا وارتحلنا أو ذهبنا وأقمنا فإننا نعبد الله على كل أحوالنا وفي أمورنا كلها وأن نقصد بكل شيء عبادته سبحانه وتعالى.

* إدارة العلاقات العامة والإعلام بالرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد