Al Jazirah NewsPaper Friday  09/02/2007 G Issue 12552
أفاق اسلامية
الجمعة 21 محرم 1428   العدد  12552
الداعية الكاميروني د. أحمد جروز لـ(الجزيرة ):
المنصرون يحاولون بكل الطرق الوقوف أمام انتشار الإسلام في إفريقية

* الكاميرون - خاص بـ(الجزيرة):

أكَّد الداعية الكاميروني د. أحمد جروز طاهر عبدالله الأستاذ بقسم اللغة والحضارة وعضو لجنة التحكيم في مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره، أن المنصرين الذين اصطحبهم المستعمر في احتلاله الكاميرون، كان هدفهم الأول عرقلة انتشار الإسلام في كل البلدان الإفريقية، لا في الكاميرون فقط.

وقال د. جروز: إن نسبة المسلمين في الكاميرون تقدير بـ45 و50% من السكان البالغ عددهم سبعة عشر مليوناً ونصف المليون، والبقية من الكاثوليك، والبروتستانت، والوثنيين، وهناك من يقلل من هذه النسبة، ولكن لا توجد إحصاءات حقيقية بعدد المسلمين، لأن جهات معينة تعتم على ذلك.وأضاف: إن غالبية المسلمين في الكاميرون ينتمون إلى المذهب المالكي، ولكن بلا تعصب مذهبي أو فقهي.. وطالب الشيخ جروز العالم الإسلامي بالاهتمام بإفريقيا، لأن فيها الخير الكثير، كما تناول في حواره مع (الجزيرة) العديد من القضايا والموضوعات المتعلقة بالساحة الإسلامية.. وفيما يلي نصه:

* ما واقع المسلمين في الكاميرون، وهل يتقبل المجتمع الكاميروني ممارسات وجهود المسلمين فيها بينهم؟

- واقع المسلمين في الكاميرون.. تشير روايات تاريخية كثيرة إلى أن الإسلام وصل أولاً إلى الكاميرون من الشمال، وذلك مع عروضها التجارية، كما تشير روايات أخرى إلى أن الإسلام دخل إلى الكاميرون ثانياً عن طريق الغرب، قادماً من نيجيريا، بجهود الممالك الإسلامية المتعاقبة في غرب إفريقيا في تلك الحقبة، بدءاً بمملكة (مأسينا)، ثم مملكة (تمبكتو)، ثم مملكة (غانا) الثانية، إلى مملكة (برتو) وانتهاء بمملكة (صوكتو)، التي بسطت نفوذها إلى كل المناطق الشمالية لجمهورية الكاميرون الحالية، ولما أعلن الشيخ عثمان بن فودي - رحمه الله - جهاده التجديدي في خلافته الإسلامية بشمال نيجيريا، هُرع كل السلاطين المسلمين الذين كوّنوا سلطناتهم في شمال الكاميرون إلى مبايعة الشيخ عثمان فوراً ربما كان ذلك حفاظاً على ملكها، وخوفاً من الزحف الإسلامي الجديد الذي يحارب كل البدع والخرافات، وآثار الوثنية التي لم يتخلص منها هؤلاء السلاطين، على الرغم من دخولهم الإسلام منذ زمن بعيد، قبل قيام الخلافة الصوكتوية. هكذا استمرت الحال على تبعية هذه الجهة الشمالية الكبرى لدولة الكاميرون لخلافة (صوكتو)، حتى جاء الاستعمار الألماني، ثم الفرنسي في القرن التاسع عشر الميلادي على سواحل الكاميرون غرباً، ثم توغل حتى وصل إلى الشمال، فواجه مقاومة سرشة من قبل هؤلاء السلاطين، إلا أنها لم تدم طويلاً لعجزها أمام ترسانة الأسلحة النارية التي كان يمتلكها المستعمر، وما يمتلكونه هم من الأسلحة البيضاء التقليدية من رماح وسهام، فاضطروا إلى الاستسلام، واستمر الوضع على ذلك إلى أن حصل الكاميرون على استقلاله النظري عام 1960م.

فنظراً إلى سبق الوجود الإسلامي في مناطق الكاميرون الشمالية، لم يتجاهل المستعمر هذه الظاهرة، بل اعترف به، فما أن غادر المستعمر إلا وللمسلمين اعتبار ووجود واعتراف قول يحسب له في أوساط إدارة الدولة. فأصبحت أعيادهم الدينية معترفة بها، وكذلك زيهم الشعبي معترف به لدى الحكومة، فكل يوم عيد للمسلمين يعد تلقائياً عطلة لدى الدوائر الحكومية.

وهكذا استمر الوجود الإسلامي في الكاميرون منذ ذلك العهد، ولكن امتداده أصبح بطيئاً جداً نحو الجنوب والغرب والشرق، لأسباب منها: وجود المستعمر، وعرقلته المد الإسلامي، ومصاحبته للمنصر الذي اتخذ سياسة التفريق والتأليب على المسلمين وسيلة لتحقيق أهدافه التنصيرية، فأصبحت صورة المسلم والإسلام غير جيدة في أوساط القبائل التي لم تدخل الإسلام قبل مجئ المستعمر. والسبب الثاني ربما هو جهل كثير من هؤلاء السلاطين بمقاصد الشريعة الإسلامية. لأن كثيراً منهم من عوام الناس الذين لا يتمتعون بمعرفة الشريعة الإسلامية، وكذلك قلة العلماء في مجتمعاتهم الذين يرسمون لهم الطرق الصحيحة لنصر دين الله تعالى، إلى غير ذلك من أسباب التخلف التي كان يعاني منها شعوب هذه المنطقة في ذلك الوقت.

وفي السنوات الأخيرة، نجد الصحوة الإسلامية أدت ثمارها في جميع مناطق البلاد، فالدخول في الإسلام بشكل مطرد بين القبائل الجنوبية والغربية وكذلك الشرقية، بفضل المنظمات الإسلامية الوطنية والدولية التي تفد إلى البلاد، وتقيم الدورات الشرعية، والمخيمات التربوية، فللمملكة العربية السعودية باع طويل في هذه الصحوة، ولذا قلّ أن تجد مدينة كاميرونية أو قرية مهما صغرت في الشمال إلا وتجد فيها مسجداً أو مصلى أو أثراً إسلامياً.

هذا ونجد للمسلمين وجود في كافة أماكن صنع القرار في الدولة من البرلمان أو الوزارات، على أن هذا الوجود بهذه الصورة لا يرضي كثيراً من الناس، بسبب ضعف تأثير المسلمين في اتخاذ القرارات، وللتهميش المتعمد من قبل سلطات الدولة للمسؤولين المسلمين، أو المحسوبين إلى الإسلام، فمارست الدولة عليهم سياسة فرق تسد، لتخاذهم فيما بينهم، وسيطرة أطماعهم الشخصية على المصالح العامة للأمة الإسلامية.

أما إذا أتينا إلى نسبة المسلمين من بين السكان، فنجد مصادر تشير إلى أن نسبتهم تتراوح بين 45 إلى 50% من جميع السكان الذين يبلغ تعدادهم إلى سبعة عشر مليوناً ونصف مليون نسمة الباقية يتقاسمها الكاثوليك والبروتستانت والوثنيون، كما تشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبتهم أقل بكثير مما ذكر أعلاه، فترى بين 18 إلى 25%، والله أعلم، لأن الاحصاءات الحقيقية يصعب الحصول عليها، لأن الدولة تتعمد التعتيم والإخفاء، ولا تعتمد في نتائج إحصاءاتها بناء على الانتماء الديني.

وبناء على هذه المعلومات، فإن واقع المسلمين لا يزال بخير، مع وجود كثير من الضعف، والتخاذل، وانعدام روح التضامن، والتكاتف، وتصاعد النعرات الإقليمية والجهوية بين المسلمين - وربما القبلية - مما ينذر بناقوس الخطر في المستقبل، نسأل الله السلامة والعافية.

كما تجدر الإشارة هنا إلى الأزمات الاقتصادية التي تكتسح العالم كله، وإفريقيا بالتحديد، وخاصة الكاميرون، هذه الأزمات ساعدت كثيراً على إحياء الصحوة الإسلامية في أوساط المسلمين، وجعل من لا يهتمون بالشعائر الدينية من كبار الموظفين في الدولة، والشباب يهتمون بها، ويحتمون بها، وصدق الله العظيم حين يقول: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. فظهر استقطاب الشباب من التجمعات الإسلامية في الدولة إلى تعاليم الإسلام.

أما فيما يتعلق بعلاقة المسلمين بغيرهم في الكاميرون، فهناك جو من التعايش السلمي، والتسامح، وهو الجو الذي يخيم على البيئة الكاميرونية، على أنه لم يمنع ذلك من حدوث بعض المناوشات والمواجهات الدموية في بعض المناطق. وهذه المواجهات لا ترقى إلى درجة ظاهرة العداء بين المسلمين وغيرهم.. وعليه فإن المجتمع الكاميروني - مسلمهم وغير مسلمهم - يتقبلون ويعترفون بممارسات المسلمين الدينية والاجتماعية والثقافية، ونجد الثقافة الإسلامية هي السائدة في المناطق الشمالية من زي، وطريق عيش، وحفلات زواج، سواء أكان ذلك في أوساط من دخل في الإسلام جديداً أم كان في أوساط غير المسلمين. وعلى المستوى الرسمي نجد زي المسلمين معترفاً به رسمياً في الحفلات التي تقيمها الحكومة، وفي الأعياد الإسلامية، يحتم البروتوكول الحكومي على حاكم المنطقة أن يحضر، ويشارك المسلمين في صلاة العيد إذا كان مسلماً، وإن كان غير مسلم، يجب عليه الحضور والجلوس مع موكبه خارج مصلى العيد، حتى ينتهي المسلمون من الصلاة، فيخرج إليه السلطان التقليدي المسلم أو عمدة القرية التقليدي، ليسلم عليه الحاكم، ويهنئه بهذه المناسبة - نيابة عن رئيس الدولة - وللأمة الإسلامية، وربما يُطلب من إمام العيد أن يدعو الله عزّ وجلّ أن يديم الأمن والرخاء والاستقرار، وأن يرفع عن البلاد البلاء، وهذا الطلب يكون صادراً من حكومة الدولة أحياناً، وندرك هنا محاولة سياسة الحكومة الكاميرونية لدمج أحوال المسلمين، وحتى طقوسهم الدينية إلى سياسة الدولة العامة، وأنهم جزء لا يتجزأ من كيان الدولة.

بقي فقط أن ندرك أن العناصر المسلمة التي وصلت إلى مناصب عالية في الدولة، تفتقر إلى الوعي الديني، وإلى علم شريعة الإسلام، ومقاصد الإسلام السمحة، حتى يستطيعوا استغلال هذه المناصب لمصلحة الإسلام والمسلمين ولمصلحة الوطن، فيتركوا استغلالها لمصالحهم الخاصة، أو لأسرهم فقط، وهذا الاستغلال الرخيص نابع عن جهلهم بشمولية الإسلام، وأنه دين ودولة ونظام حياة وعبادة وعمل وإيمان وكفاح، وليس دين الرهبنة والشعوذة والكهانة والسحر - كما هو الواقع الحالي عندهم -.

* إلى أي المذاهب الفقهية ينتمي غالبية مسلمي الكاميرون؟

- تنتمي غالبية مسلمي الكاميرون إلى مذهب مالك بن أنس، إمام دار الهجرة - رحمه الله تعالى - ولكن بفضل ما تقوم به الدول العربية، وعلى رأسها الدولة السعودية - أثابها الله - من إعطاء المنح الدراسية لإعداد الطلاب المسلمين في العلم الشرعي في جامعات المملكة، وخاصة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أدى هذا الابتعاث إلى انعاش المذهب المالكي، وجعله مرناً، بغياب التعصب المذهبي الممقوت، والعودة إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذا بدت علامة الترجيح لأي مذهب آخر مع المحافظة على المذهب الأم، وهو المذهب المالكي.

وفي السنوات بالأخيرة، استقرت في مدينة (دوالا) الساحلية الكاميرونية طلائع من الشيعة الإمامية الإثني عشرية، بعروضها التجارية، وأنشطة للاستثمار من (فتح بنك)، أو مساهمة كبيرة في البنك، فوجدت أرضاً خصبة لزرع عقيدتها التي تهدم كل ما بناه الإسلام من تقدير لكل الصحابة، واعتقاد أن القرآن الكريم كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فتنسف في عقيدتها كل هذه الثوابت، وتأتي بعقيدة أخرى تساعد حقاص على هدم الإسلام ومبادئه، استغلت جهل الشباب، وفقرهم، وحاجتهم إلى لقمة العيش، فأغوت بعضهم بعرض من الدنيا، فتبعهم من أضله الله.

* ما زال هناك تخوفات إسلامية من قطار العولمة الزاحف، فهل هذه التخوفات ما زالت في موضعها؟ أم أنه يمكن للمسلمين التدخل لتغيير مسارها واستخدامها في خدمة قضاياهم؟

- هذا القطار تقوده دول الاستكبار العالمية التي تسيطر على عالم الإعلام، الإعلام الذي يتميز بفقدان المروءة وبالتدليس، وقلب الحقائق، والمتاجرة بالكذب، وبالشعارات الرنانة (الديمقراطية وحقوق الإنسان) من الشعارات التي لا يصدقها الواقع على الأرض، فأعمالهم تخالف أقوالهم حتى للإنسان العادي.

فعلاً نجد هذه التخوفات لا تزال قائمة، ومع ذلك فإنه يمكن للمسلمين التدخل للكشف عن حقيقة هذا القطار العولمي، وبيان زيفه، وتوعية الشباب والمسلمين عموماً على ما يكنه هذا القطار من زيف وحقد وعداوة وحرب معلنة ضد الإسلام وأن عليهم العودة إلى دينهم والتعامل مع الأحداث والأزمات بحكمة وروية، أما تغيير مسار القطار الذي تقوده دول الطغيان - ولو معنوياً - فليس في مقدور المسلمين - في نظري ورأيي الشخصي - في الوقت الراهن، ولكن مع ذلك لا يعني أن المسلمين يقفون مكتوفي الأيدي أمام جبروت هذا القطار، بل يجب عليهم أن يقدموا مافي وسعهم من شرح لحقيقة الإسلام، وسماحته، واستيعابه للحضارات الإنسانية، وقيمه النبيلة، وأنه دين العدالة والاعتدال والوسطية، وسطية في القول ووسطية في العمل والمعاملة إلى غير ذلك مما تشهد له كتب التاريخ الإسلامي، والكتب الغربية المعتدلة.

* كيف تنظرون للصعوبات التي يواجهها المسلمون في إفريقيا اليوم؟

- الصعوبات التي يواجهها المسلمون في إفريقيا اليوم كثيرة ومتعددة، منها صعوبات سياسية يعاني منها المسلمون للفساد الإداري الذي سيطر على جميع الدول التي يعيشون فيها. أو صعوبات اقتصادية متفاقمة بسبب ما تنهب ثرواتها ومقدراتها من قبل الدول المستمرة، التي لم تزل حاضرة على الساحة الأفريقية، وبالتالي نجد الفقر والأوبئة والأمراض والكوارث الطبيعية تجتاح أجزاء كبيرة في القارة، والصعوبة الخطيرة التي تمهنا هنا هي الجهل، الجهل بدين الإسلام ومبادئه وقيمه، وانتشار الأمية بين أبناء المسلمين، حتى لا يستطيع الأب تأمين لوازم المدرسة للمرحلة الابتدائية لابنه، فكيف له ذلك، وقد يعجز كثير منهم عن تأمين المعيشة اليومية لأسرته، ولتجاوز هذه الصعوبات أو مواجتها بكفاءة، يجب على المسلمين في هذه القارة، بقيادة أولى الأمر منهم، العودة إلى دين الله القويم، ثم محاربة العادات والتقاليد الموروثة المنحرفة، ونبذ الاعتقادات الباطلة والتواكل، ثم الكشف عن ساعد الجد والاجتهاد لتوحيد صفهم، وتحديد أهدافهم الرامية إلى مواجهة هذه الصعوبات، ومكافحة هذه الكوارث بأنفسهم أولاً قبل كل شيء، ثم بعون إخوانهم من الأقطار الأخرى، وانطر إلى هذه الصعوبات على أنها كبيرة وظاهرة لا يمكن تجاهلها، وعلى مسلمي أفريقيا الاعتماد على الله ثم على أنفسهم لتجاوزها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

* هل ترون أن المعنيين بشؤون التعليم في الدول الإسلامية مطالبون بتفعيل التثقيف الديني؟

- نعم، أرى أن المعنيين بشؤون التعليم في الدول الإسلامية مطالبون فعلاً بتفعيل التثقيف الديني بهدف تجفيف منابع العنف والتطرف الديني والغلو، في بعض المواضيع الدينية التي لا تقتضي ذلك الغو أو العنف، وبهدف تعميق مبادئ الدين الصحيح، والتخلص من رواسب العادات والتقاليد التي أقحمت في الدين الإسلامي، حتى ظن من يجهل هذا الدين بأنها من أصولها، وهذا التفعيل يكون سبباً على نشاة الأجيال على تربية ثقافية إسلامية تتمتع بروح الانفتاح الأفقي، وسعته وروح التعايش والتسامح مع الغير، والشعور العميق لقضية الإسلام والمسلمين جميعاً في العالم، وكذا يهدف هذا التفعيل إلى إحياء عزة النفس في قلوب النشء، وشعورهم بالفخر والسعادة لانتمائهم الديني والاجتماعي، حتى يقدروا على الصمود أمام حركات التذويب للهوية الإسلامية، فيقفوا سداً منيعاً ضد تيار الغزو الفكري الذي يجرف الشباب المسلم في هذا العصر، ويكونوا أيضاً في حماية وحصانة من التقليد الأعمى الذي ابتلي به كثير من شباب العالم الإسلامي للغير.

* كثرت التفسيرات العلمية للقرآن الكريم وبدأ الأمر كما لو كان (موضة) فما هو رأيكم في هذه الظاهرة، وفيما يقوله روادها اليوم؟

- الحقائق العلمية التي يصل إليها الباحثون عن طريق التجارب المعملية، أو المجهرية، هي حقائق نسبياً - ربما لمدة محددة من الزمن - قد تأتي نتائج علمية وبحثية لاحقاً تفند بعض ما اثبت في الحقائق الأولى، أو تنسفها كلها نسفاً، وهذا واقع مشاهد لمن تتبع الحقائق أو النظريات التي بنيت على أنها حقائق من روادها ثم جاءت نظريات أخرى لاحقاً أو (حقائق) برهنت بخطأ التي كانت قبلها، لذا ينبغي أن يجنب القرآن الكريم ما يسمى (بالتفسيرات العلمية) لأنها خاضعة لتفسيرات علمية أخرى قد تكون مخالفة لما يثبته المفسر (العلمي) الآن.

فالقرآن الكريم كلام الله عزّ وجلّ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبالتالي لا يجوز أن يكون مسرحاً أو مضماراً للنتائج العلمية التي لا يعدو صاحبها عن أن يكون إنساناً لا يرقى أبداً إلى درجة الكمال، فما يتحذلق به هؤلاء من التفسيرات العملية فيه خطأ في المنهج، وخطأ في السلوك، لما تقدم ذكره، ولا يمكن التعويل عليه ولا الرجوع إليه، لأن هذه النتائج العلمية إما أن تكون نظريات تفتقد الإثبات، والنظرية لا تعدو أن تكون فرضية، قد تختلف نتائجها عما كان مقرراً في البداية، وبجملة واحدة نقول: القرآن الكريم ثابت لا يتغير، والنتائج البحثية قابل للتغير، وخاضع للتجريب، وقد يكون صحيحاً أو غير صحيح، وبالتالي لا يجوز إقحامها في تفسير الآيات القرآنية حتى لا يتهم القرآن فيما بعد، بمخالفة الحقائق العلمية.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد