روسيا على الخارطة اليوم دب هائل تتشبث راحتاه ببحر بارينتس وبحر اوخوتسك وبحر اليابان شرقاً، ويلامس رأسه الحدود مع أوروبا، إنها أبعد بلد ملتصق بالقطب الشمالي وأكبر دولة في العالم من حيث المساحة 17075.4 ألف كيلومتر مربع، وحدودها تحتضن ثُمن المعمورة.
الطريق جواً من بطرسبورغ في غرب روسيا إلى ميناء فلاديفوستوك على المحيط الهادي شرقاً عشر ساعات، والطريق من موسكو إلى فلاديفوستوك نفسها بالقطار عشرة أيام بلياليها.
أراضي روسيا الشاسعة نشأت تاريخياً بنتيجة توسع الدولة التدريجي في مناطق الجوار، ولم تكن روسيا بحاجة إلى التوجه إلى قارات غريبة بعيدة لتوسع رقعة الدولة، كما فعلت بلدان أخرى كثيرة، فوراء جبال الأورال تنبسط مساحات عذراء لا حد لها ولا آخر تسمى (سيبيريا) المكسوة بالغابات والملفعة بالأسرار والخالية من السكان تقريباً، استثمار سيبيريا واستصلاحها والشرق الأقصى الروسي بدأ في القرن العشرين، واتضح أن هذه المنطقة كنز غني بمختلف الثروات الطبيعية والمعدنية، وبفضلها تشغل روسيا اليوم المرتبة الأولى في العالم من حيث استخراج الغاز، وتتصدر - إلى جانب المملكة العربية السعودية - قائمة البلدان المستخرجة للنفط (لكل منهما 13.5% من الاستخراج العالمي للذهب الأسود).
جمهورية ساخا - ياقوتيا الروسية في سيبيريا تستخرج 23% من جميع كميات الماس في العالم، والدولة الروسية مكتفية ذاتياً من عدد من الموارد الحيوية المهمة، وقد أعطاها الجغرافيون توصيف (دولة الغابات)؛ لأن ثلثي أراضيها مكسوة بالغابات (882 مليون هكتار؛ 22% من الاحتياطيات العالمية).
تمتد المنطقة الخضراء الهائلة من الطرف الشرقي على المحيط الهادي حتى سواحل بحر البلطيق غرباً، و(الغابة الروسية) تمثل مساحة خضراء متراصة مترابطة وضخمة لها تأثير عالمي على مناخ الكرة الأرضية وإيكولوجيتها.
الموارد والاحتياطيات المائية في روسيا تشكل عموماً خمس الاحتياطيات العالمية، وفي روسيا 2.5 مليون نهر ورافد وأكثر من مليوني بحيرة، ومن أكبرها بحيرة بايكال التي هي أعمق بحيرة في العالم، تقع جنوب شرق سيبيريا وتمثل أعظم خزان للمياه العذبة يحتوي على 23 مليار طن أو 20% من الاحتياطيات العالمية، وبالمناسبة فإن الجولات السياحية في بحيرة بايكال تحظى بإقبال منقطع النظير، وجمال تلك المناطق يفوق الوصف، كما أن في منطقة ما وراء البايكال مواقع أثرية مهمة كالمعابد البوذية وغيرها.
في روسيا اليوم يقيم نحو 146 مليون مواطن ينتمون إلى 100 قومية أثنية، ولإحدى وعشرين قومية منها كيانات وطنية إدارية بشكل جمهوريات وأقاليم ذات حكم ذاتي، ويبقى الروس الشعب الأكبر في هذه البلاد، إذ يتجاوز عددهم 100 مليون نسمة، ويشكلون نحو 80% من السكان، وعلى الرغم من كون روسيا دولة قوية على امتداد ألف عام، ويشكل الروس فيها الأغلبية، فإنها حافظت على الأصالة الثقافية لباقي الشعوب المقيمة في أراضيها، ما يزيد من جاذبيتها السياحية أيضاً.
يتوقع المجلس العالمي للسياحة والرحلات (دبليو تي تي سي) مستقبلاً واعداً لصناعة السياحة الروسية، وتقول حسابات خبراء المجلس إن الزيادة في السياحة الروسية ستبلغ 7% حتى العام 2010م.
وإدراكاً منها لمنافع السياحة والعائدات السياحية تقدمت الأقاليم والمدن الروسية الكبرى بمخططاتها للجولات السياحية الممتعة والمغرية، وتفيد معطيات الوكالة الاتحادية الروسية للسياحة أن سان بطرسبورغ تجتذب 39% من السياحة، فيما تبلغ حصة موسكو منهم 37%، ويحتل المرتبة الثالثة (الطوق الذهبي) المحيط بالعاصمة الروسية؛ أي الرحلات السياحية من موسكو إلى الشمال الشرقي عبر مدن سرغييف بوساد وياروسلافل وفلاديمير وسوزدال، فالمواقع الأثرية من معابر ومساجد ومعاقل وغيرها في هذه الأنحاء تشكل دائرة معارف معمارية كاملة.. وبالإضافة إلى تسع كاثدرائيات بمدينتي سوزدال وفلاديمير العريقتين وبحيرة بايكال الشهيرة شملت اليونسكو برعايتها وحمايتها 19 أثراً فريداً في روسيا، ومنها الغابات العذراء في جمهورية (كومي) وبراكين (كامتشاتكا) معالم مدينتي بطرسبورغ ونوفغورود وكهف شولغان - طاش في باشكيريا، وبالطبع الساحة الحمراء والكرملين في موسكو.
وتحظى الرحلات النهرية من موسكو إلى بطرسبورغ مروراً بجزيرة كيجي في جمهورية كاريليا الواقعة في الشمال الروسي وحوض الفولغا بإقبال مميز، وكذلك الرحلات إلى شمال وشمال غرب روسيا، وبخاصة أرخبيل (فالام).
وتوجد في أواسط روسيا وشمالها الغربي ضيعات الكتاب الروس المشهورين مثل ليون تولستوي (ضيعة (ياسنايا بوليانا) في ضواحي مدينة تولا) وإلكسندر بوشكين (محمية الهضبة على مسافة 120 كيلومتراً من مدينة بسكوف العريقة التي شيدت قبل 1100 سنة). وهذه المحمية التي سميت باسم (هضبة بوشكين) تكريماً لأمير شعراء روسيا في القرن التاسع عشر تحظى الآن بإقبال واسع لدى السياح.. ثم إن مدينة بطرسبورغ ارتدت حلة جميلة تفوق الوصف لمناسبة الذكرى 300 لتأسيسها 2003م.. وإن متاحفها الشهيرة (الارميتاج) و(المتحف الروسي) و(معرض البدائع والغرائب) وقصورها الفخمة وقلاعها جعلت من هذه المدينة التي توصف (بتدمر الشمال) مقصداً للسياح يتواردون عليها من كل حدب وصوب.
أما جوهرة الجنوب الروسي مدينة (دربند) التي سماها العرب (باب الأبواب) والواقعة في داغستان على بحر قزوين، فهي أيضاً مقصد للسياح، وقد اكتشفت أثناء الحفريات الأثرية فيها بلدة شيدت على تخوم الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد، وشهدت هذه المدينة حكم الفرس والخزر، كما شهدت الفتوحات العربية في بداية القرن الثامن الميلادي على يد القائد الإسلامي الشهير مسلم بن عبدالملك الذي لقبه المؤرخون بأبي دربند، ففي عهده تحولت المدينة إلى مركز عسكري وسياسي كبير في القوقاز، وكان يقيم فيها عامل الخليفة الإسلامي في القوقاز، ومن دربند انتشر الإسلام في روسيا.
وتحظى القلاع القديمة بالاهتمام في دربند، وبخاصة (قلعة النارين)، بالاضافة الى المساجد والمعابد. وقد أدرجت دربند في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
كما ترعى اليونسكو مبنى الكرملين بمدينة قازان عاصمة تترستان التي احتفلت بألفيتها في سنة 2005 وحتى القرن الخامس عشر كان كرملين قازان مركز دولتها المنضمة إلى الأورطة الذهبية، وعندما احتل القيصر الروسي ايفان الرهيب مدينة قازان سنة 1552 دمر الكرملين وأسواره، إلا أنه أعيد بناؤها من الحجر في المكان نفسه فيما بعد، وفي نهاية القرن السابع عشر شيد في قازان برج سويومبك (ملكة التتر المخلوعة)، وبات البرج رمزاً للمدينة، وهو من الأبراج المائلة القليلة في العالم (هو أعلى من برج بيزا الإيطالي المائل بمترين)، وتشتهر قازان بمساجدها الرائعة التي شيد معظمها في القرن الثامن عشر - العشرين.
ثم إن روسيا من أفضل بقاع العالم لسياحة المغامرات والرياضة، فلا يزال فيها كثير من المناطق الطبيعية العذراء والمتوحشة.. وهناك المناطق القطبية غير المعتادة وسهوب التندرا والدببة البيضاء ونافورات المياه المعدنية الساخنة وفوهات البراكين النائمة في كامتشاتكا وجبال الأورال والقوقاز، يقول سرغي شبيلكو رئيس اتحاد الصناعة السياحية الروسية: إن السياحة الإيكولوجية تتطور بنجاح في الشرق الأقصى الروسي وشبه جزيرة كامتشاتكا، حيث تنظم جولات (سفري) على زحافات الجليد والعربات التي تجرها الكلاب إلى جانب التزلج على اسكي الجبال والتحليق بالمروحيات. كما تحتفظ روسيا بحرف وصنائع قديمة نادرة مثل النقش على العاج والخشب في سيبيريا والشمال الروسي وما إلى ذلك.