يقع جبل الطريف التاريخي وسط بلد الدرعية الكبير، ويفصله عن السهل عاصمة البلد من الجهة الشمالية وادي حنيفة، محتلاً موقعاً متميزاً منتظماً غرباً شامخاً شرقاً، يحده ويحيط به من الشمال والشرق مزارع منخفضة عن مستوى الجبل تقع على شاطئ الوادي وهي أملاك خاصة، ومنها: سمحة، الحراشية، الشيحاني، رغيبة، الوسيطا، الفتيقة، ويحدّه من الجنوب وادي صفار وشعيب أبا اللهو. ويحده من الغرب ظهرة شعيبة غبيرا. يتميز هذا الجبل العجيب بارتفاعه وموقعه الفريد؛ مما يعطي الصاعد إليه الإشراف التام على البلد وأهله وعابري وادي حنيفة.
ففي أول عام 1178هـ الموافق 1737م، وفي عهد الإمام الرئيس المجاهد محمد بن سعود بن محمد آل مقرن رئيس بلد الدرعية سارت جيوش قبائل وعربان شرق الجزيرة العربية ومعظم أهالي نجد إلى بلد الدرعية محاربين. ونزلت الجيوش الجرارة بأعداد هائلة من الجند والخيل والمدافع والقنابر والقبوس بالقرب من منازل آل مقرن في الظهرة وسمحان وأسوار السهل بين شعيب قري قصير وشعيب قري عمران؛ فبُهرت عقول أهالي الدرعية ولجأوا إلى الله في كشف المهمة والفتنة، ووقعت الحرب واضطرمت نارها وطار في السماء شرها وشرارها؛ فتخالفت القنابر والقبوس والمدافع على أسوار السهل وباب سمحان ومنازل آل مقرن في (القلعة)، وجالدهم أهالي الدرعية وشجعانها ما يقارب الشهر بقيادة البطل الهمام الإمام عبدالعزيز بن محمد آل مقرن، وحصل قتال عنيف خارج وداخل أسوار السهل، وتضاربت الأبطال إلى أن صارت الدائرة على أهل البغي والضلال، وعلى أثره دخل الغازين الفشل والهلع لمقتل أغلب فرسانهم وشجعانهم وتفرقوا ورجعوا إلى بلدانهم مهزومين خائبين يجرون أذيال الهزيمة: (المصدر: عنوان المجد في تاريخ نجد، تأليف العلامة المحقق عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، الجزء الأول).
بعد هذه الواقعة المخيفة في العدد والعدة وفي أول عام 1179هـ توفي الإمام المجاهد محمد بن سعود بن محمد آل مقرن رئيس بلد الدرعية بعد حكم وحماية لبلد الدرعية دام أربعين سنة قضى منها إحدى وعشرين سنة مخلصاً لتعهده ومعاضداً لرفيق دربه الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب بن مشرف. (المصدر السابق).
كما سبق هذا الهجوم الظالم على البلد انتصارات سابقة ومتوالية للإمام عبدالعزيز بن محمد آل مقرن، ففي عام 1171هـ عمل على صدّ وإفشال هجوم على البلد وأهله عند نهاية وادي حنيفة وبداية وادي الباطن وأمر بإقامة وبناء قصر غذوانة العسكري ليكون رداءً وحداً وحمايةً لبلد الدرعية وضبطاً لحدودها. (المصدر السابق).
وفي عام 1172هـ عمل على صدّ هجوم مماثل وهائل من الجيوش المتطاولة على البلد والوادي وأهله بالقرب من الجبيلة نهاية وادي الحيسية وبداية وادي حنيفة وكبّدهم خسائر فادحة. هذه الانتصارات المتتابعة وما يتمتع به من صفات القائد الفذ والمحنك أهلت الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود بن محمد آل مقرن لأن يكون على مسيرة والده إماماً، ورئيساً لبلد الدرعية الكبير، وبايعه الخاصة والعامة بمباركة وتزكية ومساندة من الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب بن مشرف. (المصدر السابق).
وفي نهاية القرن الحادي عشر الهجري وبعد هذه الوقائع المتتابعة على البلد وأهله، ونظراً لتقادم القلعة وبروجها ومنازل آل مقرن وخطورة الموقع في الظهرة وسمحان، وما أحدثته المدافع وآلة الحرب في أسوار السهل من قبائل شرق الجزيرة العربية، اختار واتخذ رئيس بلد الدرعية الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود بن محمد آل مقرن (جبل الطريف) مقراً لإدارة أمن البلد ومنازل وبروجاً لآل مقرن؛ لموقعه الفريد الآمن وصعوبة الصعود والوصول إليه، وارتفاعه الشامخ؛ مما يمكنه من الإشراف التام على البلد وأهله، وعابري وادي حنيفة، وليكون مرصداً لقاصدي البلد من جميع الجهات.
وتم بناء مقار إدارة البلد والمساجد ومنازل وقصور آل مقرن ومماليكهم وأحواش الخيل في شمال شرقي الجبل بمادة اللبن والعروق المغينة. وفي غرب وجنوب الجبل زُرعت بروج محصنة ومتفرقة لجبل الطريف اُتخذت مراصد على مسافات متقاربة ومتباعدة، وشُيدت بمادة الحجر. وللصعود إلى جبل الطريف من مسلك الوادي كانت هناك فيضات ثلاث فقط: 1 - فيضة الطريف، مدخل إدارة حكم البلد ومنازل وقصور آل مقرن. 2 - فيضة الحراشية: مدخل منازل المماليك وأسرهم. 3 - فيضة السلطاني: مدخل الخيل وآلة الحرب.
وكان لهذا الجبل المحصن والآمن الفضل - بعد الله - في رصد وإفشال اعتداءات كثيرة تتوالى وتتطاول على البلد وأهله في بداية القرن الثاني عشر الهجري، وخاصة من قبائل وعربان شرق الجزيرة.
عبدالله بن سعد بن شبيب