Al Jazirah NewsPaper Wednesday  14/02/2007 G Issue 12557
متابعة
الاربعاء 26 محرم 1428   العدد  12557

ضمن أماسي شعر رالي حائل:
سليمان المانع يشدو بأجمل قصائد الغربة !

* حائل - سعود العلي:

في أمسيةٍ لمع فيها نجم شاعر الغربة، الشاعر العذب (سليمان المانع)، تراقصت المفردات والمعاني الجميلة والصور الشاعرة جذلى أمام الحضور. كان ذلك ضمن أماسي شعر رالي حائل 2007 والتي تقام في مركز الأمير سلطان الحضاري. بادئ الأمر أبدع عريف الأمسية الإعلامي حسيب الشيحي في تقديم الشاعر للحضور، ثم استهل صديق الغربة الشاعر سليمان المانع أمسيته بالترحيب بجمهوره الذين لبّوا نداءه الشعري وقدموا إلى الأمسية لأجله، ثم كعادته إثر كل بداية لأمسية شعرية في حائل، أنشد لها وبها إذ قال:

يا بعد حيي لك غلا غير لك غير

يا غير كل الغير هاك الصمايل

خلطة كرم حاتم على سيرة الزير

والله على راسي عرين الحمايل

صفق كل من في الصالة للشاعر فور إنهائه لهذه الحلّة الجميلة التي علقها على نحر سلمى وجبين أجا، حلّة ولا أجمل لا تأتي إلا من شاعر تتشكل الكلمات على هيئة قصيدة مبطنة بالربيع ومواطن الجمال ومثافن العذوبة حين يريد منها أن تظهر بهذه الصورة. بعد ذلك حاول الشاعر أن يبلّ روحه ويرطب نفسه بقصيدة موجهة لجمهوره، حين لاطفه عريف الأمسية بسؤاله: عما إذا كان يود أن يوجه كلمة لمن حضر لأجله؟ فترنم الشاعر من فوره بقصيدة جميلة نقتطف لكم منها:

ما كان غيرك يستحق التعنّي

ياللي بظل وأنت من ظلك النور !

ثم كانت الوحدة، وجهاً آخر للغربة التي رفع شاعرنا لواءها في ساحة الشعر، وترجمها بغير قصيدة من قصائده التي تعيش لوعتها بمجرد قراءتك لها، بيد أن شاعرنا لا يعاني من غربة المكان، أو بالأحرى جغرافية الغربة، بقدر ما يعاني من غربة الروح، غربة الشعور، وهذه هي حال من يغرد خارج السرب بإبداع كسليمان المانع، حيث ترجم الشاعر نفحات الغربة اللاسعة بقصيدة موسومة ب(مخالب وحدتي) حين قال:

عمري غلط كلّه ويا كثر ما اخطيت

ويا كثر ما أكثر من خطاي ظلموني

لو ما أترجى رحمة الله توفيت

من كثر ما فاض الندم من عيوني

كان القلوب بيوت.. ما عاد لي بيت

يا لغربة اللي ما تعيشين.. دوني !

حتى قال:

أشعر بأني كنت في مرحلة ميت

لكن حييت وتوهم يدفنوني !

وهذه القصيدة بدت ولكأنها تنتشي بآلامها بين الحضور، الذين لم يملكوا سوى أن يصفقوا للشاعر، رغم ما تركته القصيدة من بالغ الأثر في حناياهم. بعد ذلك خرج سليمان المانع بجمهوره من دائرة التراجيديا ليبحر بهم فوق قنينة عطر ميمماً نحو البحور التي انعقدت لأجلها الأبيات، وكتب لها الشعراء وتوارثها الأبناء كابراً عن كابر، كُتب لها وبها منذ رموز الشعر الجاهلي، حتى فطاحلة الشعر الشعبي، وهي المحطة التي يحب المتلقي أن يتفيأ بظلالها كل غداة، إنها: محطة الغزل، حيث أسقى الشاعر جمهوره من شآبيب الشوق وصبابته عبر قصيدته التي قال فيها:

عصفورتي طارت بعيد تبحث عن عيون وجناح

أعطيتها روحي مدى هواجسي صارت سطر !

وبعد أن أسدل المانع على الصالة وشاح الغزل بأبهى ألوانه، تكلم عن الشعر الذي يكتبه أنصاف الشعراء، وتكلم عن الألم الذي يلف خافقه حين يقرأ لمدعي الشعر، وهم يتقمصون دوراً لا يليق بهم، وكان لا بد له أن يشير إلى هؤلاء بسبابته حين وجّه إليهم قصيدته (شاعر طبل) التي قال فيها:

أنا زميلي ضمير ونبل

ما يزرع الظلم بأدراجه

لا من غيره عصته السبل

حكيم.. لا غبّرت واجه

حتى قال مختتماً هذه القصيدة بأبيات تنحت نفسها في ذاكرة المتلقي، حتى أن بعض نقاد الشعر الشعبي يستشهدون بها في غير موضع وهي التي قال فيها:

والشخص باللي عليه وجبل

والناس كل ومنهاجه

شاعر خيالي وشاعر خبل

وشاعر ولا شاعر بحاجة

وشاعر طبلكي وشاعر طبل

وشاعر حلاته هي إزعاجه !

بعد ذلك توالت القصائد من شاعر الغربة، وألمح الشاعر أن لهذه الأمسية ميزة تميزها عما سواها من الأمسيات، لأنه يشعر بالحميمية اتجاه الجمهور المتذوق الذي حرص على الحضور. ثم قال بأن أسوأ شيء قد يواجه الإنسان، هي الحاجة، وأسوأ منها أن يخيب ظنك بمن كنت تظن بأنه سيحمل عنك أعباءها وضنكها وفاقتها، ثم قال:

أنا خدعني المجتمع يوم ضخمك

ومن قبل أجرب مقتنع معدنك ماس !

بعدها داعب الجمهور بقصيدته المشهورة (الهندي الأحمر) والتي جمعت كماً هائلاً من جماليات التراكيب، وتراكيب الجماليات، إذ قال:

يعني تطنشني كأني ولا شين

وأنا وشلون ربي حسيبي

كان لك ثلثه فلي فيه ثلثين

هذا قضا.. لا تستحي يا حبيبي

أخذت منه وفي هواه الأمرين

وما كان رغبة قد ماهو نصيبي !

حتى قال:

من عام الأول.. عالم أول، وثانين

والهندي الأحمر مقتفيه الصليبي

عندي قمر مثل الولد فيه بنتين

ياخي دخيلك فكني وش تبيبي

إن كان لك ثلثه .. فلي منه ثلثين

وثلث يقديني.. وثلث يغدي بي !

ثم أطرب سليمان المانع جمهوره بأندى قصائده وأجملها شدواً، فأتى ب(يستغفلك) حتى ألفى الحضور وهم يكبرون له أجمل صور الإكبار والإعجاب. ولا يمكن لأمسية شاعر الغربة أن تلملم غربتها وترحل، دون أن تدع الشاعر يردف بقصيدة (التفاحة) التي يقول فيها:

أنا المخلص لأبونا آدم وأحب كثير غلطاته

قسم تركه على عياله، نصيبي كان تفاحة !

ثم عاد الشاعر إلى دائرة الغربة والأوجاع والوحدة، وترك للجمهور (سلة أوجاعي) لينتخبوا أي الأبيات كانت مستقلة بوجعها عن الآخر، فوجدوا أن القصيدة عبارة عن منظومة وجع، غصت بها الصالة ! وبهذه القصيدة كان مسك الختام، حيث شكر عريف الأمسية الإعلامي حسيب الشيحي الشاعر سليمان المانع، على تكرمه بالحضور، والتفاعل مع أماسي شعر رالي حائل، وتلبيته لدعوة جمهوره. ثم قدمت الجهة المنظمة (ديوانية رجف القوافي) درعاً تكريمياً للشاعر، قدمه له الأستاذ صالح الزقدي، وبعدها توجه الشاعر إلى محبيه ليصافحهم، ويلتقي بهم عن قرب، بعد أن كانت قصائده هي الجسر الذي يربطه بهم طيلة ساعة ونصف وهي عمر الأمسية.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد