Al Jazirah NewsPaper Thursday  15/02/2007 G Issue 12558
متابعة
الخميس 27 محرم 1428   العدد  12558

عبدالله العسكر.. وفقد الرجال الكبار
عبدالعزيز بن صالح العسكر

الحمد لله الذي تفرد بالبقاء والدوام، وجعل لحياة البشر في الدنيا نهاية ينتهون إليها، وأسأله تقدست أسماؤه أن يحسن لي ولأحبابي وللمسلمين الخاتمة.. إنه جواد كريم. ولئن كان الموت نهاية كل حي من البشر في الدنيا، فإن فقد بعض الناس يعد خسارة كبيرة وتموت بموته خلال حسنة وصفات نبيلة ويفقد.. بينما يموت غيره فلا يفقد ولا يذكر نعوذ بالله من ميتة السوء.

وأحسب أن الشيخ الفاضل عبدالله بن صالح بن عبدالعزيز العسكر الذي توفي بعد ظهر يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر محرم عام 1428هـ أحد القلائل من الناس الذين يفقدون لمكانتهم الطيبة بين أهلهم وجيرانهم وسيرتهم الحسنة التي شهد لهم بها الداني والقاصي.

والعم عبدالله أحد أعيان عائلة آل عسكر في الخرج، ولقد عرفته عن قرب وعرفت شمائله وسجاياه؛ وخلال أكثر من خمسة عشر عاماً كان فيها جار لي عرفت فيه صفات نبيلة هي بحق صفات الرجال الكبار وشمائل الصالحين، ولا أزكي على الله أحداً.

أولى تلك الشمائل التواضع، فقد ضرب مثلاً فريداً في التواضع، فلم يدع للكبر أو التعالي طريقاً إلى نفسه في تعامله مع الناس.. الذين كانوا يرونه في حينا وفي مسجدنا لا يستطيعون أن يعرفوا من مظهره ومشيه وسكنه أنه أحد الأعيان وأب وجد وعم لكثيرين من جماعته آل عسكر في الرياض والخرج.

وثاني شمائله وصفاته حب الخير للناس، وبخاصة جيرانه، وبغضه للشر وأهله، وجيراننا يعرفون جيداً كم من خير سعى فيه، وكم من شر حاربه وراجع المسؤولين لدفعه ومنعه. وقد عرفت من ذلك شيئاً كثيراً.

ومن صفاته الحسنة خوفه من الله وخشيته له، فقد كان متورعاً عن الحرام، وحريصاً على الحلال، فلا أعرف منه إلا أنه كان حريصاً على الكسب الحلال وعلى حدود الله ملتزماً بها مبغضاً للشر والفساد والانحرافات صغيرها وكبيرها.

ومما يتصل بذلك عفافه وعزة نفسه وقيامه بشؤون نفسه، فكان يقود سيارته بنفسه رغم كبر سنه ويحمل متاعه من البقالة المجاورة ولا يطلب من أحد مساعدته أو القيام بشيء من شؤونه، كل ذلك لأن الله تعالى يسر له وأعانه، فكان قوي الجسم والنفس.

وأبو صالح كان دائم الشكر لله، فلسانه يلهج بحمده وشكره في العسر واليسر والشدة والرخاء، فلم أسمع منه كلمة تذمر أو شكوى، وحتى حينما زرناه بعد أن اشتد عليه وجع الرجل والركبة كان يحمد الله ويثني عليه ويعدد نعمه عليه.

ومن أبرز مكارمه طيبة النفس والمعشر، فكان دائم الابتسامة حاضر النكتة لا يمل منه جليسه، لا يمكن أن ترى عليه عبوساً أو احتقاراً لأحد أو غيبة أو سخرية.. فكان عف اللسان محباً للناس كل الناس. أما تاج مكارمه وشمائله فهي ملازمته للمسجد، فقد أراد الله أن يكون بالقرب من مسكنه مسجد تابع لمحطة محروقات لم يتم تعيين إمام أو مؤذن له، فكان أبو صالح ملازماً له يؤذن احتساباً خلال الخمس عشرة سنة، ويصلي بالناس إن لم يجد إماماً أقرأ منه للقرآن أو يكون للمسجد إمام راتب.. ولقد أسعدني وأعانني وأولادي على الصلاة سماع صوته الجميل؛ وهو يؤذن للصلوات الخمس، ثم صلاته في الصلوات الجهرية، وملأ نفوسنا وقلوبنا حباً له وأنساً بوجوده، فأصبح (أبو صالح) أباً لا لأولاده في بيته فحسب؛ وإنما للجيران جميعاً يشاركنا شؤوننا وشجوننا ولا يبخل علينا بالرأي والمشورة والنصح واللطف في المعاملة ومعالجة كل أمر يهمنا جميعاً.

ولقد كان من نعم الله على (أبي صالح) أن مَنَّ عليه بأبناء بررة أحسنوا إليه وأكرموه أيما إكرام؛ وكان رأسهم وكبيرهم من نوادر الرجال في شهامته ومروءته، فقد نفع الله به والديه وإخوانه، فالأخ صالح سخر ثروته وجاهه لنفع أهله جميعاً، ووصل كرمه وعطاؤه ونفعه لأهل الخرج بعامة، وبخاصة جماعته وأسرته. فكان من حقنا أن نفخر بصالح وأبي صالح.. وأحسب أن المسجد الجامع في (نفجان) بلدة عمنا الذي امتلأ وامتلأت الساحات المجاورة له من المصلين في صلاة الظهر يوم الثلاثاء ليشهدوا الصلاة على جنازة أبي صالح شاهد كبير على المكانة الكبيرة لأبي صالح في الخرج والذكر الحسن له ولأولاده.. وأرجو أن يكون من عاجل بشرى المؤمن.

إنني أعزي نفسي في جاري العزيز، وأعزي أبناءه الثمانية وأسرته كافة، وآمل أن تكون سيرة فقيدنا دروساً وعبراً تعيننا على الأعمال التي تقربنا من الله وتملأ بها صحائف أعمالنا بما نسعد به في الآخرة، ويكون لنا بها ذكر حسن عند الناس؛ لأن ذلك من خير ما يخرج به المؤمن من هذه الدنيا. أما مصيبتي في جاري العزيز فلا أجد في تصويرها الآن إلا في بيتين من الشعر لشيخي عبدالرحمن الجاسر - رحمه الله - يقول فيها:

وإذا أصيب المرء في محبوبه

غرقت محاجره وفاضت أدمع

ومصيبتي ليست كأي مصيبة

يأسى لها قلب.. ولكن أوجع

أسأل الله بأسمائه الحسنى أن يغفر لأبي صالح ويرحمه ويجمعنا به في دار كرامته ومستقر رحمته وأن يجزينا وإياه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً.. إنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد