Al Jazirah NewsPaper Sunday  25/02/2007 G Issue 12568
الرأي
الأحد 07 صفر 1428   العدد  12568

الشيخ عثمان اللميلم! وداعاً أيها الجبل.. وداعاً يا نجم أفل
عبدالله بن صالح اللميلم - عيون الجواء

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ...}

{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ، وَادْخُلِي جَنَّتِي}

لا نقول إلا كما قال حبيبنا- صلى الله عليه وسلم- عند فقد ابنه إبراهيم: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقكم يا إبراهيم لمحزونون).

إنا على فراقك يا أبتاه لمحزونون، و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}

فجر يوم الجمعة الموافق 14-1-1427هـ ذلك اليوم الذي عجزت أن أحبس فيه الدموع داخل محاجر العيون عندما جاءني الخبر عبر موجات إرسال الهاتف النقال تمام الساعة السادسة والربع صباحا مدويا صوت أخي المبحوح بعبارة واحدة (الأب عثمان يطلبك الحل) أغلق السماعة بعد أن فجع القلب وأخرس اللسان، وهز الأركان لهول الخبر الذي كان مفزعا وأليما، فقد كنت قبل وفاته بسويعات أقف أمام ذلك الجسد الطاهر النقي ممددا على سرير المرض في المستشفى التخصصي ببريدة، وقد وضع على أجهزة التنفس الصناعي بعد دخوله في غيبوبة لم تدم طويلا، وكأن ملك الموت ينتظر خروجنا لقبض تلك الروح التي أمره الله بقبضها، أكثر من عشر سنوات عانى فيها الأب عثمان المرض والابتلاء، كان صابرا محتسبا لا يشكو هما، وكلما زادت آلامه رمى نفسه في أحضان الاستغفار، وزاد قربه من الله سبحانه وتعالى، وأنا ممن عايش آلامه وقاساها، كيف لا أقاسيها وهو الشقيق الأكبر والأرحم لوالدي أطال في عمره على طاعته الذي حمل لقب (الأب) لجميع أفراد عائلة اللميلم رجالا ونساء، ولا ينادي إلا بالأب عثمان منذ أن خرجنا على هذه الدنيا، ومما جعلنا نتعلق به كثيرا سعة صدره، وصفاء سريرته، ودماثة خلقه، ومحبته للأطفال التي فاقت الخيال حتى أصبحوا جزءا منه، كان بحرا تتلاطم فيه أمواج الحنان والعاطفة، لم نسمع أنه أخطأ في حق أحد، ولم تكن له مظلمة عند أحد. أحب الناس بطهارة قلب وصدق نية فبادلوه الحب، قضى جل حياته إماما لأحد مساجد محافظة عيون الجواء، كان عف اللسان والجنان، أحب أهل العلم والخير والإحسان بشخصيته البسيطة التي فطره الله عليها، تلقيت خبر وفاته بحزن بالغ، خرجت مسرعا إلى المغسلة التي وصلت جنازته إليها، كان المنظر مهيبا اختلطت فيه الدموع، وعندما كشف المغسل أبو عبدالرحمن عن وجه الأب عثمان بدأ وكأنه يتلألأ نورا، ومحيا يشع ضياء، وقد كسا وجهه شيب الوقار والطهر فتذكرت قول الشاعر:

وكانت في حياتك لي عظات

وأنت اليوم أوعظ منك حيا

سلمنا عليه قبل أن نودعه الوداع الأخير، ولكم أن تحصوا الأعداد البشرية الهائلة التي حضرت للصلاة عليه حتى ضاق بهم مسجد الجامع فاضطر الكثير منهم للصلاة عليه في المقبرة، وما كثرة المصلين والمشيعين إلا من دلائل الخير إن شاء الله للميت.

يقول نبي الرحمة: (إن الله إذا أحب عبدا أحبه الناس) وهؤلاء هم شهود الله في أرضه، فالجميع يشهد لك يا أبتاه بالتواضع والبر وحب الخير للناس وحسن الخلق، ولأنهم أحبوك فقد تسابقوا للصلاة عليك وتقديم التعازي فيك. في المقبرة كان وداعك الأخير والحزن الأليم عندما وسدوا رأسك لبنة ووجهوك إلى القبلة، وصفوا عليك اللبنات، وأهالوا عليك التراب، عندها أصاب الحلق غصة والقلب حسرة والصدر زفرة.

فاستغلت دموعي ضعفي وقلة حيلتي فانهمرت بغزارة معبرة عما يقاسيه القلب من ألم فلامني كثير من الناس، وأنا أعلم أن الموت حق لكن الدموع تريح القلب لكل من ذاق حر الفقد، وتذكرت قول الشاعر الذي فقد أبناءه:

قد يعجب العذال من رجل

يبكي ولو لم أبك فالعجب

هيهات ما كل البكاء خور

إني وبي عزم الرجال أب

إذا كان هذا فقد ابنا له فما ظنكم برجل فقد أباه، بل فقد الشمعة التي أضاءت له دروب الخير، حينما رحل ورحلت معه خصاله الحميدة التي جبل عليها.

أسأل الله رب العرش العظيم أن يوسع له القبر، وأن يؤنس وحشته فيه، وأن يتجاوز عنه، وأن يرفع درجته في المهديين، وأن يبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وأن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دعواتكم له بالرحمة ولجميع أموات المسلمين.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد