برزت على سطح واقعنا مصطلحات نرددها ونتناقلها دون أن نعي ما قد يترتب عليها، وما قد تخلفه من آثار مدمرة على المفاهيم العامة التي ورثناها وآمنا بها، هذه المصطلحات يعزز انتشارها بعض مثقفينا عند طرح وجهات نظرهم إما لتبرير واقع لا يُبرر أو لتحليل أمر ما، فتسببوا عن قصد أو من دون قصد في تمييع أو تجزئة بعض القيم والمفاهيم العامة التي نعرفها، فاتسعت بهذا دائرة الإخلال بالضوابط التي تعين على الثبات على الطريق المستقيم الذي بيَّنه لنا في الأصل ديننا الحنيف بما جاء به من قيم ومفاهيم، لعل من أبرز هذه المصطلحات التي فُرضت علينا، مصطلح - عدل المنتصر - الذي يفرضه القوي على الضعيف، والذي يوحي أن العدل يمكن تحريفه وتحويره وتجزئته إلى درجات ليتناسب مع ظروف الحال، وبهذا يمكن أن يكون المرء عادلاً أو أن يوصف بالعدل طالما أنه ملتزم بالتنقل بين هذه الدرجات دون الخروج عليها، وهذا يخالف تماماً ما فهمناه من أن العدل كل لا يتجزأ، فلا يمكن أن نقول عن شخص ما إنه عادل لأنه أعطى من له حق جزءاً من حقه واغتصب الباقي، فالعدل إنما يكون في إعادة الحقوق كاملة لأصحابها دون انتقاص منها أو لا يكون عدلاً، مما يعين في نهاية الأمر على استحباب القليل من الظلم وتعزيز الشعور بأنه لا بأس من أن تُؤخذ بعض حقوق الناس متى ما تهيأت الظروف وأصبح المرء في موقف المنتصر الذي يحق له أن يفرض ما يراه دون أن يُوصف بالظالم.
وتفرعت من هذا المصطلح المضلل مصطلحات ومفاهيم أقل ما يمكن أن تفرضه أن توصف الأمور بغير صفاتها، وتنحرف وبشكل كبير مساراتها وقناعة الناس بها، فطفا على السطح مصطلح - ظلم المغلوب - أو ما يُسمى باللفظ المتعارف عليه - مثير المشاكل - فأصبح الذي لا يقبل بعدل المنتصر الذي تملك الحق في صياغة ما يراه عدلاً بحكم وجوده في الموقف الأقوى، ظالماً ومتمرداً ومثيراً للمشكلات، يحرص الناس على وصفه بهذا تمشياً مع الظروف وخوفاً من أن يُوصفوا بمساندتهم له حتى وإن كانوا مقتنعين بما يفعل، وحتى هذا أيضا لم يسلم من التجزئة لمواكبة ظروف الحال، وفرض على المظلوم طرقاً بعينها للمطالبة بحقه كأن لا يلجأ للقوة التي لجأ إليها المنتصر ليصل إلى ما هو عليه، أو الإساءة الشخصية والتجريح فاستحدثت لهذا مصطلحات المطالبة السلمية، والمطالبة بالحوار، والمطالبة بالتعاون وإظهار التفهم للظالم، فتحوَّرت المعاني المقصودة لدفع الظلم والحصول على الحقوق، مما يفرض في نهاية الأمر استحباب الخضوع لمن ينتصر والاستسلام له عن طريق مجاراته فيما يفرض من أساليب مع الاحتفاظ بشرف المقاومة والمطالبة بالحقوق طالما أنه لم يتم الخروج عن دائرة التنقل بين درجات المطالبة بها بمفهومها الجديد، وإن خُولف ذلك وصف المخالف بوصف آخر مختلف قد يجعله في موقف المتهم.
ما أريد قوله إننا يجب أن نعطي الأمور مسمياتها الحقيقية بعيداً عن استحداث مصطلحات تخالف حقائقها وتبدل مساراتها وتقلب الباطل حقاً والحق باطلاً، وحتى لا يُقال في يوم ما إن العدل هو أن تأخذ حقوق الناس ما دمت قادراً على ذلك، وإن الظلم هو أن تحاول استرداد حقك إذا سُلب منك.. والله المستعان.
*البريد الإلكتروني:
nalkalbani@hotmail.com