Al Jazirah NewsPaper Friday  02/03/2007 G Issue 12573
مقـالات
الجمعة 12 صفر 1428   العدد  12573

نوازع
وصف ولادة
د/ محمد عبدالرحمن البشر

لقد وصف لنا ابن زيدون ولادة بنت المستكفي في شعره وأجاد، كما هي الحال في جميع الأغراض الشعرية التي تطرق لها.

وفي هذه العجالة لنا وقفة مع شعره، نتعرف عبرها على شيء من ملامحها مستأنسين بما أوردته الكزبري في طرف من مقال لها.

فلقد أثر حب ولادة في حياة ابن زيدون تأثيراً بالغاً، نجد بصماته في حياته الاجتماعية والسياسية والفنية على حد سواء، وانعكس على تطوراتها انعكاساً واضحاً، عرَّضه لمؤامرات متتالية أقصته عن الحكم، وزجته في السجن، ثم أقصته عن قرطبة. وأما انعكاسه على حياته الفنية فلكونه فجر ينابيع عبقريته تفجيراً صاخباً استفاد منه تراثنا الفكري والفني بما صاغ ابن زيدون من روائع شعرية ونثرية، فما من قصيدة في ديوانه إلا ونجد فيها أثراً لولادة أو لاضطهاده السياسي، أو لكليهما معاً، وإذا عدنا إلى أحد المستعربين وهو نيكل Nykl نقرأ في دراسته قوله: (لولا تأثير ولادة في حياة ابن زيدون لفقد الشعر العربي أنفس جواهره).

أما المؤرخ الفرنسي ليفي بروفنسال Levi Provencal فقد كتب يقول: (إن ابن زيدون هو المتغني بالحب الذي لا يبارى، وإن اتصاله بولادة أوحى إليه قصائد رائعة تتميز بخلوها من البريق المتكلف، وبتنوع معانيها، وعذوبة موسيقاها) كما يؤيد هذا الرأي المستشرق الكبير الأستاذ اميليو غارثيا غوميث Emilio Garcia Gomez وهو من الذين أفردوا لابن زيدون الأبحاث والدراسات، وترجموا للإسبانية بعضاً من قصائده وبعض ما وصلنا من أشعار ولادة. وإذا شئنا التعرف على شخصية ولادة وأوصاف جمالها فإننا نجدها في شعر ابن زيدون، ونقف على تفاصيلها في أبيات وقصائد صورتها لنا بدقة ووضح حتى لكأننا نترشف ونستجلي معالمها من لوحة زيتية رائعة، فعندما يخاطبها قائلاً:

يا ألين الناس أعطافاً، وأفتنهم

لحظاً، وأعطر أنفاساً وأرادنا

حسنت خلقاً، فأحسن لا تسوء خلقا

ما خير ذي الحسن إن لم يولِ إحسانا؟

نعلم أن ولادة كانت ممشوقة القوام، رشيقة الخطى فاتنة النظرات، وأنها كانت سبب نعيمه وشقائه، وعندما يقول:

مفضض الثغر له نقطة

من عنبر في خده المذهب

يتضح لنا أنه كان لها خال أسود في خدها وأن أسنانها كانت مفضضة بيضاء، ووجهها بلون الحنطة الذهبية... وإذ يخاطبها منشداً:

وفي السيراء الرقم وسط قبابهم

بعيد مناط القرط، أحور، أوطف

تباين خلقاه، فعبل منعم

تأود في أعلاه لدن مهفهف

يتبين لنا أن عنق ولادة كان طويلاً، وعيناها حوراوين، وأهدابها وطفاء، وأنها كانت، على رهافة قدها، بارزة الصدر، ضامرة الخصر وممتلئة الردف ترتدي ثوباً من الحرير موشى بالخز ومخططاً. وعندما يصفها شاعرنا بقوله:

ربيب ملك كأن الله أنشأه

مسكاً، وقدر إنشاء الورى طينا

أو صاغه ورقاً محضاً، وتوجه

من ناصع التبر إبداعاً وتحسينا

إذا تأود آدته رفاهية

توم العقود، وأدمته البرى لينا

نفهم أن بشرتها كانت بيضاء كالفضة، وأن شعرها ذهبي بلون التبر، براق، وأنها كانت تزين صدرها بعقود اللؤلؤ المزدوجة، وتتغادى بالخلاخيل، وعندما يصفها منشداً:

له خلق عذب وخلق محسن

وظرف كعرف الطيب أو نشوة الخمر

يعلل نفسي من حديث تلذه

كمثل المنى والوصل في عقب الهجر

ندرك أنها كانت بارعة في التزين، فنانة في إظهار مواطن الحسن فيها، وأنها كانت جذابة الحديث عذبة الخلال ظريفة الخصال.

وديوان شاعرنا حافل أيضاً بتصوير شخصيتها وطباعها، ووصف هيامه بها الذي كان يضرمه البعاد والهجر، فمن خلال قصائده نرى أنها كانت قريبة بعيدة، تطمع حبيبها فتبادله حباً بحب، ثم تتمنع وتجفو، فيعاتب ويتألم، ويزداد بها شغفاً وتعلقاً.

ما صح ودي إلا اعتل ودك لي،

وما أطعتك إلا زدت عصيانا

بهذا البيت البليغ الواحد علمنا عن ولادة تقلب الأهواء، وبه وحده استغنينا عن صفحات من الشرح والوصف والتحليل!

****

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«6227» ثم أرسلها إلى الكود 82244


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد