Al Jazirah NewsPaper Sunday  04/03/2007 G Issue 12575
الرأي
الأحد 14 صفر 1428   العدد  12575

رثاء العم الحبيب حمد السلوم
خالد بن يوسف السلوم

أكتب هذه المرثية بعد أسبوع من وفاة عمي الحبيب الدكتور حمد السلوم وأنا خارج البلاد في رحلة عمل مخطط لها مسبقا، تركت الأهل والأحباب بعد العزاء وأنا في حزن شديد على وفاته، لقد كان له منزلة خاصة في قلبي، كان عمي قريبا من والدي، لازمه في أيام الطفولة والدراسة في مدينة ضرما، ثم الطائف وأمريكا. كنا نسكن في بيت واحد، ثم في حي واحد في حي الملز في الرياض أيام الطفولة. كان في مقام والدي، تأثرت كثيراً بعد غيابه ولكن هذه أقدار مكتوبة ويوم آت علينا جميعاً.

في يوم السبت الموافق 22-1-1428هـ عدت من رحلة عمل في الصباح، وكنت متعباً فقررت أن أرتاح ذلك اليوم، استيقظت من النوم على صوت الباب والأجراس من كل جانب، فزعت لهذا ورفعت سماعة الباب إذا بأخي أحمد يبلغني بأن عمي حمد قد توفي ويطلبني الحل، والصلاة عليه بعد العصر. خرجت من البيت مسرعاً وعزيت الوالد وذهبنا للصلاة والدفن وبدأنا العزاء، كان الناس في المسجد كثيرين، ولم نكن نتوقع أن هذه الجموع ستأتي ولاسيما وأن الوفاة والصلاة كانت في نفس اليوم، كما حضر من الناس أيام العزاء آلاف مؤلفة كان منهم الأمير والفقير والكبير والصغير ولا أنسى موقف ذلك الرجل المسن الذي جاء للعزاء وهو مقعد على عربة وقال له أحد الأبناء: ليتك لم تكلف على نفسك واكتفيت بالاتصال. فقال بصوت عالٍ: أنتم لا تعرفون هذا الرجل إني لم أقابل أباكم في يوم ما ولم يكن يعرفني ولا أعرفه ولكن إن لأبيكم فضلاً عليّ، لقد اتصلت به يوم كان ملحقاً ثقافياً في واشنطن فطلبت منه أن يساعدني بضم ابني للابتعاث بعد أن كنت قد تحملت مصاريف دراسته لأكثر من ثلاث سنوات وأنا أطلب المساعدة الآن، فما لبث أن استجاب لطلبي وتم ضم ابني للبعثة بعد هذا الاتصال مباشرة. كيف لا يفعل ذلك أبو عبدالعزيز وهو الذي عرف عنه مساعدة الناس والوقوف معهم وهو الذي يسعى لحاجة من يعرف ومن لا يعرف، إنه حمد السلوم صاحب القلب الكبير والمواقف الشهمة، كان دمث الخلق بشوش المحيا، عرف عنه حسن المعشر في المنشط والمكره، صبوراً مثابراً كالجبل لا يهتز، ربى أجيالاً تخرجت على يده في التعليم لأكثر من أربعين عاماً، تقلد المناصب العليا حتى أصبح من أعلام هذا البلد، ربى أبناءه تربية حسنة وحرص على تعليمهم، وقد أتموا جميعاً -ولله الحمد- التعليم الجامعي، منهم من حصل على درجة الماجستير ويسعى للحصول على درجة الدكتوراه، ومن حرصه على متابعة تعليم أبنائه ذلك الموقف الذي أصرَّ فيه على أحد أبنائه الذي يدرس حالياً الماجستير في أمريكا بأن لا يعود للمملكة إلا بعد حصوله على الشهادة حيث مضى عليه أكثر من أربع سنوات ونصف متواصلة لم يسمح له بالإجازة رغبةً في إنهاء الدراسة. عرف عنه في عائلتنا وبشهادة الجميع صلته للرحم والمواظبة عليها، وهو الذي لا يمل ولا يكل من زيارة الأصدقاء والأقارب جميعهم من إخوان وأخوات وبناتهم وأولادهم، وكان يحرص رحمه الله في المشاركة في مناسباتهم ومساعدة من يحتاج منهم، وإذا طلب منه أحد الشفاعة يوماً ما فهو ذاك اليوم أسعد الناس، وأحب الناس للناس، فلا يسأم ولا يركن للاعتذار أبداً، فهنيئاً له على ما قدم. عادت إلى ذاكرتي وأنا أكتب هذه الكلمات إلى مثل هذا الوقت من العام الماضي كنت في رحلة لإجراء فحوصات لوالدي الدكتور يوسف السلوم -حفظه الله- في ألمانيا، كان عمي الحبيب حريصاً على الاتصال بنا دوماً وكان يهاتفني كثيراً، يسأل عن أخيه ورفيق دربه، يوصيني به وبحالته، كان قريبا إلى والدي محباً له كثيراً، لقد كان -رحمه الله- باراً بإخواني حريصاً على متابعة أحوالهم. لقد تأثر والدي كثيرا يوم الدفن، وطلب مني الخروج مباشرة من المقبرة بعد أن أهلَّ التراب عليه.

رحمك الله يا أبا عبدالعزيز، كان كريما في معاملته يحب أن ينتفع الناس منه، هاتفني يوماً وقال لي: يا خالد كيف حالك؟ وماذا تعمل الآن بعد أن تقاعدت من الوظيفة مبكراً؟ قلت له: أني أسعى في الدخول في بعض الأعمال. فقال لي أريدك أن تأتي غداً إلى المكتب لأتحدث معك. ذهبت إليه، وفاتحني بروح أبوية وحنان مطلق، وعرض عليّ القيام بتأسيس منشأة تجارية تختص بتجهيز المدارس بالمشاركة، فطلبت منه مهلة أسبوع للرد، فكرت كثيراً، ونظراً لالتزامي بمواضيع سابقة، ذهبت إليه وقدمت إليه اعتذاري وشرحت له موقفي، فتفهم الوضع وقبِل الاعتذار بكل رحابة صدر، رحمك الله يا أبا عبدالعزيز، لقد صارعه المرض كثيراً في أيامه الأخيرة، كنت أذهب إليه يومياً في المستشفى التخصصي بالرياض بعد أن عاد من الولايات المتحدة، وأقرأ عليه القرآن، فكان في كل مرة تدمع عيناه ويتأثر، كان يعبر عن ذلك بدموع حارة، ولكن القدر قد حان، قال تعالى: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (34) سورة الأعراف.

رحمك الله يا أبا عبدالعزيز، كان دائماً سباقاً للخير ويحب أن يسعى في مساعدة الناس للعلاج في الدخل والخارج حتى قبل وقوع المرض عليه بفترة وجيزة لكنه الموت لا يعرف صديقاً قال الشاعر:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته

يوماً على آلة حدباء محمول

لكن مما أثلج الصدر الأثر الذي أحدثه عند المعارف والأصدقاء الذين عزونا فيه وذكروا محاسنه والذين كتبوا عنه وبما أثنوا عليه من الذكر الحسن وذلك لأن هؤلاء هم شهداء الله في أرضه، كما جاء في حديث الجنازتين اللتين مرتا أمامه صلى الله عليه وسلم، فكانت الأولى الناس يدعون لها بالمغفرة ويثنون عليها أما الثانية فلا، فهذا مصدقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: أنتم شهداء الله في أرضه.

وقد قيل: ما مات من خلف. فعزاؤنا في ذريته أن يسيروا على نهجه، وعزاؤنا في أسرة آل سلوم بأن يحيوا ذكراه، وأن يدعو له بالمغفرة والرحمة وأن يسكنه فسيح جناته وأن يجزيه بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وغفرانا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد