Al Jazirah NewsPaper Friday  09/03/2007 G Issue 12580
كتب
الجمعة 19 صفر 1428   العدد  12580
تأملات في مذكرات محمد أحمد الرشيد (مسيرتي مع الحياة)
الوزير العصامي الذي عمل فراشاً وطباخاً ومأذون أنكحة!!
د. محمد أبو بكر حميد

قليلون هم أصحاب المناصب الكبيرة الذين يتركون أثراً في قلوب الناس وحياتهم بعد تركها. فالمناصب ابتلاء وامتحان بكل ما فيها من مغريات أكثر منها تكريماً ووجاهةً.. وما أكثر الذين ارتفعت بهم المناصب فأنستهم أنفسهم وكيف كانوا، فلما هبطت بهم دون تحقيق شيء يُذكرون به، عاشوا بعدها في الناس نسياً منسيا. أما لأصحاب المعادن الأصيلة فهي امتحان وابتلاء تزداد فيه معادنهم أصالةً وقيمةً وتواضعاً أثناء وجودهم في مناصبهم ومن بعد تركهم لها.

وليس صحيحاً ما يُقال إن الناس مع صاحب المنصب ما دام فيه، فإذا تركه تركوه؛ قد ينطبق هذا على فئة من الناس لكن ضمير الشعوب لا ينسى المخلصين من أبنائه، ولا يمكن أن تُمحَى أسماؤهم من ذاكرته مهما تراكم عليها غبار السنين، وسيظل الناس يذكرون في مجالسهم المدير العام الفلاني والوزير الفلاني الذي يقضي حوائجهم، ولا يستكبر عليهم بما آتاه الله من جاه أو سلطان بل كان ديدنه التواضع ومنهجه الإخلاص وطريقه الوفاء، فيدعون له بطول العمر إن كان حياً ويترحمون عليه إن كان ميتاً.

وأحسب وزير التربية والتعليم السابق معالي الدكتور محمد بن أحمد الرشيد واحداً من هذا النوع من أصحاب المناصب الذين لا تزيدهم علو المرتبة إلا تواضعاً للناس، وولاءً للوطن وشعوراً عميقاً وصادقاً بالمسؤولية، وقد ترك بعد خروجه من المنصب في قلوب الناس محبةً، وفي وزارته آثاراً يُذكر بها، وفي مناهج التعليم مجهوداً يدل على الاجتهاد والإخلاص والكمال لله.

أكتبُ هذا وأنا لا أعرفُ شخصياً معالي الوزير السابق، ولم أقابله في حياتي قط، ولا تربطني به صلة، ولا أرجو منه منفعة عاجلة أو آجلة. ولكني أكبرت الرجل بعد أن قرأت تجربة حياته في كتابه الذي صدر مؤخراً بعنوان (مسيرتي مع الحياة)، وما أظنني كنت سأهتم بقراءة هذا الكتاب - لكثرة مشاغلي واهتماماتي - لو لم يرسله لي الأستاذ خالد بن حمد المالك رئيس تحرير جريدة (الجزيرة).

لقد تعودنا أن يكتب بعض أصحاب المناصب بعد خروجهم من مناصبهم ما يحاولون به استعادة شيء من البريق الذي فقدوه، فيكيلون لأنفسهم المديح، وينسبون كل حسنات عهدهم لأنفسهم بعد تضخيمها ويتنصلون من كل عيب شاب مسيرة عملهم.

لكن كتاب محمد بن أحمد الرشيد الوزير الذي رفض حتى أن يضع لقب دكتور مع اسمه على غلاف كتابه كان عجباً بالنسبة لي بين كتب أصحاب المذكرات، إمعاناً في التواضع أزالَ محمد بن أحمد الرشيد حتى اللقب العلمي الذي يبقى مع الإنسان طوال عمره بعد زوال كل الألقاب.

وأعتقد أن محمد أحمد الرشيد يريد أن يوصل رسالة من غلاف كتابه للمتمسكين بأيديهم وأسنانهم بهذا اللقب وهي أن شخصية الإنسان في عمله، والشهادة الحقيقية التي يحتاجها هي شهادة الناس بما قدم لخدمتهم من أعمال، فالدكتوراه لا تضيف للإنسان شيئاً، وإذا لم يقدم عملاً يقابلها أصبحت عبئاً على المجتمع والوطن الذي يعيش فيه.

يقع الكتاب فيما يقرب من 500 صفحة قصر فيه المؤلف الحديث عن مراحل حياته الوظيفية على الثلث الأول منه، وآثر بالثلثين الآخرين تجربته في وزارة المعارف التي أطلق عليها فيما بعد وزارة التربية والتعليم، وهي تجربة فيها من الثراء والأهمية ما تستحق المساحة التي أفردت لها في الكتاب.

وأهم ما لفت نظري في هذا الكتاب، واختلافه عن غيره من كتب السيرة الذاتية، أن المؤلف اشتق منهجه في الكتابة من رسالته في الحياة، وقد اتضح لي من الصفحة الأولى أن هدف المؤلف ليس الكتابة عن نفسه لتضخيم ذاته، بقدر ما كان هدفه هو الكتابة عن نفسه وتجربته الذاتية بالقدر الذي يفيد أبناء هذا الجيل، ويخدم رسالته التربوية التي حملها منذ باكر حياته إلى اليوم، ولم تنتهِ بخروجه من المناصب الرسمية إيماناً منه بأن المواطن الصالح يحمل مسؤوليته تجاه وطنه طوال عمره سواء من خلال منصب أو بدونه.

ومن خلال قراءتي التأملية في محتويات هذه المذكرات فإني سأتحدث عنها من خلال تقسيم مراحل حياة كاتبها إلى ثلاث مراحل، الأولى من الطفولة إلى الحصول على الدكتوراه، والثانية من التخرج إلى التقلب في المناصب حتى تعيينه وزيراً والثالثة الوزارة وتجربتها.

المرحلة الأولى تجارب

الطفولة والشباب

استمتعت متعة المستفيد من حديثه عن نشأته الأولى في بلدة المجمعة، البساطة في أسلوب الحياة، ومنهج والده في تربيته، والوصف التلقائي الشيق لأيام جعلتني أشعر كأني أراها في شريط فيلم سينمائي يصور بصدق واقع الناس في بيوتهم في تلك الفترة:

(أستقبل مع والدي الزوار المعتادين، وبعد صلاة العشاء يأوي كُلٌّ إلى فراشه، فإن كان الفصل شتاء ففي الغرف، وإن كان صيفاً نمنا على أسطحة المنازل. وليس لأحد من الأولاد، سواء الذكور أم الإناث، غرفة خاصة، بل إن الغرفة كانت تزدحم بالفرش.

كانت (كهرباؤنا) هي السُّرُجُ، ووقودها الجازولين (المازوت)، ومطابخنا توقد من الحطب، وماؤنا نمتحه من الآبار الجوفية بالدلو، ومعظمنا ينقله من البئر - التي عادة ما تكون قرب المسجد - بقدور من النحاس كبيرة، نحملها فوق رؤوسنا، ونضع قماشاً ملفوفاً ليحمي الرؤوس من ضغط الإناء الصلب) (ص18).

وقد كدح في حياته منذ صباه، وعوده أبوه على تحمل المسؤولية، إذ لم تخلُ مرحلة من مراحل هذا الصبا من مهمة تُسند إليه:

(أحد مهامي (في إجازة المدارس صيفاً) - منذ أن كان عمري سبع سنوات - التوجه المبكر بعد أن أعود من تسريح الغنم إلى البستان الذي اشترى والدي منه ثمرة النخل كي أقوم بجني ما يصل إلى ما يقارب خمسة كيلوات في مِخرف مصنوع من الخوص، وما أجنيه: نصفه بلح ونصف رطب. فإذا كانت النخلة في متناول يدي فإني أقوم بالمهمة، وإن كانت طويلة فإن الفلاح هو الذي يصعد إلى أعلاها، مستعملاً ما نسميه (الكر) حتى يصل إلى العذوق ليلقط منها الرطب، وما هو في حكم الرطب من الثمر الناضج) (ص18).

ويتوقع محمد أحمد الرشيد بشوق - إذا صح التعبير - عند تلك المرحلة من مراحل شبابه الأول، وهو يصف حال الناس في بلدته (المجمعة) عند سقوط المطر، وتفاعلهم مع هذا الحدث بلغة المتحسر على تلك الأيام الخوالي التي ولت ولن تعود:

(ومما أتذكره في حقبة شبابي فرح الناس الشديد بالمطر، واستفسارهم عن أماكن سقوطه، ولا أزال أذكر ذلك الصوت الشجي الذي يبشر بالسيول: وذلك أنه كان يصعد إلى قلعة بنيت على جبل (منيخ) الذي يحد بلدتنا من الغرب، مجموعة من الناس وينظرون إلى مجرى كل وادٍ؛ وخاصة الرئيسية منها فإذا رأوها كلها أو بعضا منها قد جرى فيها السيل صاحوا بأعلى أصواتهم قائلين: يا الله لك الحمد سال (كذا وكذا) ويذكرون اسم الوادي أو الأودية، وأفضل ما يفرح السكان حين تكون البشرى بسيل الوادي الرئيسي وهو وادي (المشقر).

لا أدري ما سبب تعلقي بتلك الأيام الخوالي: هل لبساطة طموح الفرد منا؟ أم لأن حياتنا المعاصرة - مع ما فيها من تطور - أضعفت عند الناس العواطف وقوَّت الأنانية؟ لقد كانت حقبة ممتعة ليتها تعود..!) (ص19).

وقد لاحظتُ أن المؤلف يتوقف عند الجوانب التربوية التي تحتاج إلى تأمل من أبناء هذا الجيل، فقد رأى أن نظام التعليم آنذاك الذي يتفق مع طبيعة الحياة ويسرها كان تطبيقاً مبكراً لليوم الدراسي الكامل الذي تتعثر الجهات التربوية في تطبيقه الآن.

كنا نبدأ نهارنا بصلاة الفجر، نرجع من المسجد بعد الصلاة إلى البيت ثم ننتظر حتى قبيل شروق الشمس فنأخذ أغنامنا لتسليمها إلى الراعي (الشَّاوي) ثم نأكل ما تيسر لنا من طعام الإفطار، ونتوجه إلى المدرسة ندرس إلى ما قبل الظهر، ويخرج كل منا فيؤدي صلاة الظهر جماعة في المسجد القريب من منزله، ثم يمضي إلى بيته للغداء، الذي يكون غالباً من التمر. والمحظوظ يشرب مع التمر اللبن، ثم نعود إلى المدرسة ندرس حتى قرب العصر، كأننا نطبق اليوم الدراسي الكامل قبل أن يطبقه آخرون. كنا في كل هذا نسير على الأقدام؛ فالبلدة صغيرة، يقطعها الماشي من أقصاها إلى أقصاها في عشر دقائق. (ص22).

ويتذكر محمد أحمد الرشيد مواقف بعينها مرت به في صباه يقدمها دروساً لأبناء هذا الجيل علَّهم ينتفعون بها، وقد لفت نظرَي موقفٌ رواه بطريقة مؤثرة جمع فيه بين الأثر التربوي والروحي في أداء العبادات:

(خرجنا لصلاة الاستسقاء مع بعض معلمينا متوجهين إلى مصلى العيد، وبعد الصلاة وسماع الخطبة يقلب الكبار (مشالحهم)، ونقلب نحن (غترنا).. كنا نحس بقلوبنا الصغيرة أن الأمر جد، وندعو بإخلاص، وما كان الله سبحانه يخيبنا، فسرعان ما كان يأتي المطر!! كانت صلاة الاستسقاء درساً تربوياً دينياً روحياً، لا أنساه.

هذه صور قليلة من تلك الذكريات، لعلها توقظ في قلوب من عايشها بعض الحنين، وتُعرِّفُ أبناءَنا اليوم قدر النعم التي يعيشون فيها، فيشكرونها: بالقلب، واللسان، والعمل) (ص25).

ثم يقدم لنا صورة مشرقة لعصاميته، وهي عصامية عرفها ذلك الجيل كله، جيل الشدائد والرجولة الحقة، حيث لم يكن أبناء ذلك الجيل يحصلون على ما يريدون بالسهولة التي يحصل بها عليها أبناء هذا الجيل الهلامي الذي أتلفته النعمة، ومثل هذه المذكرات تذكر أبناء هذا الجيل كيف كان آباؤهم الأولون:

(لقد عشت حياة سعيدة مع أنني لم أمر بمرحلة الطفولة كما ينبغي بل نشأت رجلاً من صغري لأني أول الذكور لوالدي، وقد كان فوق الخمسين من العمر حين خرجت إلى الدنيا وعندما بدأت أشب كان والدي قد كبر في السن فأراد أن يعودني على البيع والشراء، فكنت مسروراً إذ سمح لي بقضاء أول نهاري في المدرسة وبعد العصر أتولى البيع، وكان يراقبني من خارج الدكان، وبالفعل كان أبي - رحمه الله - يعتمد عليَّ اعتماداً كاملاً ولذلك فإني تحملت المسؤولية في مرحلة مبكرة، ولم أكن كباقي الأطفال الذين تمتعوا بطفولتهم) (ص32).

وفي فصل يحمل عنوان (الدراسة الجامعية والعليا) يتحدث محمد أحمد الرشيد عن خطواته بعد تخرجه من المعهد العلمي، وانتقاله من مجتمع القرية في المجمعة إلى مجتمع المدينة في الرياض، وانبهاره بالعاصمة رغم تواضعها آنذاك قياساً بما هي عليه اليوم. ولم يتوقف طويلاً عند السنوات الأربع التي أمضاها بالجامعة بقسم اللغة العربية. ثم تحدث عن انتقاله إلى مكة المكرمة التي أحدثت نقلةً نوعيةً في حياته كما يقول، وذكر بالاسم أساتذته (ص239) وهم من الأعلام فمنهم د. زكي مبارك والشيخ محمد متولي الشعراوي، ثم لم يلبث أن يتحدث عن النقلة الأكبر في حياته، وذلك بحصوله على قبول للدراسة بجامعة انديانا بالولايات المتحدة الأمريكية فكان من أوائل المبتعثين.

وفي فصل الابتعاث إلى أمريكا تحدث عن الصدمة الحضارية والأخلاقية التي واجهته بعد وصوله أمريكا، تحدث عنها بأمانة، وصدق، وروى وقائع تحت المجهر، تؤكد أنه ليس صحيحاً أن كل ما لديهم حضاري، وليس كل ما لديهم يصلح لنا تأمل في انطباعه المقارن:

(تركت المملكة مع بداية قدوم التلفاز، ولم يكن موجوداً عند أغلب الناس، بينما كان التلفاز منتشراً في أمريكا. تركت بلدي ولم يكن الهاتف موجوداً، وكان بعض القادرين مالياً يقتني الهاتف اليدوي، (أبو هندل) بينما كانت الهواتف شائعة في أمريكا.. غادرت ولم أرَ وجه أنثى من غير محارمي وفوجئت هناك بالنساء كاشفات في كل مكان. فوجئت بالمياه والأنهار والخضرة.. أي تحول هذا لشاب عاش معظم عمره في المجمعة الوادعة بقلب نجد ثم فجأة وجد نفسه في أمريكا في فورة الستينات؟

وصلت إلى نيويورك، المدينة الكبيرة الصاخبة حيث مقر الملحق الثقافي السعودي، وتوجهت مع آخرين من رفاق الرحلة للفندق، وللمرة الأولى في حياتنا رأينا باب الفندق الدوار. وأتذكر أنني وزملائي ازدحمنا كلنا فيه فأُغلق الباب علينا! فوجئت بتصميم الغرف، وبالأَسِرَّةِ التي لم أنمْ قط في بلادي على مثلها، وكراسي دورات المياه.. نيويورك مدينة مكتظة بالناس وبالسيارات والعمارات الهالة التي لم نرَ مثلها في مكة و الرياض أو في أي مكان آخر في بلادنا) (ص42).

وكان من جوانب الصدمة الأخلاقية التي فوجئ بها في السلوك أثناء وجوده في السكن الجامعي قوله:

(كان من المزعج لنا نحن المسلمين، أن كل طابق يحوي ما لا يقل عن عشرين غرفة، والحمامات فيها مشتركة ومفتوحة، وإذا أردت أن تستحم فسترى منظراً مشيناً، (الشباب كما ولدتهم أمهاتهم)!! فكنت أنتظر إلى أن يمضي هزيع من الليل حتى ينام الجميع كي أستحم) (ص45).

ويتوقف عند نقطة مهمة أتمنى أن يستوعبها ويعمل بها كل طالب مبتعث، وهي أن الفائدة الحقيقية من التعليم لا تقتصر على ما يتلقاه الطالب على مقاعد الدرس في أمريكا أو غيرها بل هي أبعد من ذلك وأهم، إذ يقول:

(كانت سنون حافلة بالتجارب، ولو سُئلت ما الذي استفدت من التعلم في الولايات المتحدة لقلت 50% تقريباً من الصف الدراسي، و50% تقريباً من النشاط خارج الصف، وهذه همسة صادقة لكل من أُتيح له أو ستُتاح له فرصة للتعلم في الخارج أن يستثمر ذلك.. أردت أن أتعرف على المجتمع الأمريكي، والنظام السياسي والاجتماعي، وتجاوزت تخصصي في قضايا التعليم والتربية والإدارة، وأخذت مقررات لم تكن مطلوبة مني، إذ كان المقرر عليَّ 60 ساعة دراسية فأخذت 108 ساعات، أي 48 ساعة خارج نطاق التخصص، وهذا ساعدني على استيعاب اللغة أكثر. وأنا أنصح كل إنسان أن يتعرف - بقدر الإمكان - على المجتمع الذي يدرس فيه، ومن هنا ما زلت أؤمن أن النشاط خارج الصف لا يقل أهمية عن النشاط داخل الصف في كافة مراحل التعليم) (ص43 - 44).

ثم نكتشف أن كدحه وعصاميته لم يتوقفان بعد خروجه من المجمعة وحصوله على مصروفات الابتعاث من الدولة، فقد كان ما يتلقاه الطالب آنذاك قليلاً قياساً إلى احتياجاته، فلم يتردد محمد أحمد الرشيد في البوح بأنه اضطر في أمريكا أثناء دراسته أن يعمل فراشاً وأن يكدح هناك لاستكمال احتياجاته المادية بعد زواجه:

(في أغسطس 1968م تزوجت، وكانت زوجتي من بيت كريم ثري وأسرة كبيرة معروفة، ومع هذا فقد سكنت معي في غرفة واحدة، فيها أريكة نرفعها لتتحول إلى سرير.. وأتذكر أنه قبل قدوم مولودنا الأول (أحمد) لم يكن هناك مخصصات للزوجات، فقررت أن أعمل في وقت فراغي كي أفي بمتطلبات أسرتي.. وعملت (فراشاً) في الجامعة.. معي سطل أنظف به المكاتب، لمدة أربعة أشهر، أربع ساعات في اليوم لكسب مزيد من الدخل.. ولعل في هذا درساً لأبناء هذا الجيل كي لا يتأففوا من العمل اليدوي والجد، والكدح، ولا غضاضة في أي عمل شريف، ولنا جميعاً أعظم أسوة وقدوة في أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فما من نبي إلا رعى الغنم وبعضهم كان نجاراً وبعضهم كان خياطاً). (ص 45 - 46).

ثم يصرح بمهن أخرى اشتغل بها أثناء غربته للدراسة في أمريكا، وفي ذلك درس وعبرة لأبناء اليوم حتى يرون كيف كابد وزيرهم وكدح واحتمل وآمن بأن العمل شرف مهما كان نوعه، وفي ذلك يقول: (ومن فوائد الغربة أيضاً - بالإضافة إلى أنني اشتغلت فيها طباخاً، وجامع تبرعات - أنني عملت مرات عديدة (مأذون أنكحة) فقد كان يأتي إليَّ بعض المسلمين الجدد من الأمريكان الذين يريدون أن يُجرى لهم زواج إسلامي، فأعقد للشاب على الشابة في حفل مختصر، وذلك قبل أن يذهبا لإكمال إجراء الزواج المدني المعتاد). (ص 47).

حصل محمد أحمد الرشيد على الماجستير من جامعة انديانا (بامتياز في إدارة الأفراد في مؤسسات التعليم العالي) ونصحه أستاذه المشرف بأن يستكمل الدكتوراه في جامعة أخرى تعميقاً للفائدة من منهل آخر، ويبدو أن هذا هو ديدن الأساتذة الأمريكان المخلصين فقد نصحني أستاذي المشرف النصيحة نفسها بعد حصولي على الماجستير من جامعة أوريجون، لأحصل على الدكتوراه من جامعة اللينوي، وهكذا وجه محمد أحمد الرشيد وجهه شطر جامعة أوكلاهوما ليحصل على الدكتوراه، وهنا نجده يسدي نصيحة بلغة التربوي المخلص للطلاب المبتعثين:

(حينما يتاح لأحد منا فرصة للدراسة خارج بلاده، فعليه أن يغتنمها.. لأنها فرصة ثمينة يجب الاستفادة منها بأقصى الإمكان، ولكن بعض المبتعثين منا - مع الأسف - يذهب ويعود ولم يتعرف إلا على كُلِّيته التي درس فيها ومكتبة الجامعة. والحقيقة أني - ولله الحمد - لم أوقف تجربتي عند هذا الحد.. وأنا أدعو إلى الانفتاح وإقامة العلاقات مع الآخرين فهي نافعة وخادمة للقضايا العامة وعلينا ألا نستهين بها.

لقد أُتيح لي أن أستثمر كل الإجازات الجامعية خلال وجودي في أمريكا في الترحال داخل الولايات المتحدة الأمريكية، فلم تبقَ مدينة رئيسية إلا زرتها وتعرفت على معالمها، ولم يبقَ متنزه طبيعي إلا أقمت مخيماً فيه، والحق أن المناظر الخلابة والطبيعية الجذابة متوفرة في تلك القارة بشكل يكاد يكون لا مثيل له). (ص 49).

في سنة 1392هـ الموافق 1972م عاد محمد أحمد الرشيد إلى الوطن بعد حصوله على الدكتوراه للتدريس بكلية التربية جامعة الرياض، ليسجل مشاعره بعد وصوله بقوله: (وحينما عدت وجدت أن كل شيء تبدل في بلادي وفي كل أوجه الحياة، آخذُ التوسع في البنيان مثلاً: تركت الرياض وأنا أستطيع أن أقطعها مشياً على الأقدام في ساعات قلائل وجئتها وقد كبرت وتوسعت حتى أصبحت مراتعنا وأماكن مخيماتنا البرية جزءاً من المدينة.. طفرة في أسعار الأراضي، انتشار الفلل والعمارات في كل مكان، تطور في الفكر السياسي وفي المفاهيم العامة.. وأظن أن القفزات التي تحققت في كل مناحي الحياة كبيرة إذا ما قِيست بالزمن الذي استغرقها ذلك التبدل). (ص 50).

المرحلة الثانية التقلب في المناصب

لم تمر عليَّ مذكرات وزير تقلب في مسؤوليات ومناصب عدة قبل أن يصبح وزيراً مثل مذكرات د. محمد أحمد الرشيد، ورغم أني استمتعت وأفدت كثيراً من مذكرات د. غازي القصيبي في كتابه الرائع (حياة في الإدارة) إلا أنه لم يمر بما مر به الرشيد فقد كان تأهيله للوزارة سريعاً، وإن كان في رأيي أن تجاربه الأضخم تبدأ بعد توليه المناصب الكبيرة لتعددها في حياته، وهو ما يحتاج أن يعده في كتاب جديد.

وما أفاد محمد أحمد الرشيد في رأيي بعد تعيينه وزيراً للتربية والتعليم أنه نشأ وترعرع في أحضان البيئة التربوية التعليمية فكل المسؤوليات التي حملها بعد تخرجه من أمريكا إلى تعيينه وزيراً كانت تصب في هذا الاختصاص، فإلى جانب خبرته في التدريس اكتسب خبرات في الإدارة التربوية وفي التخطيط والتطوير، ودخل في عدة لجان ورأس لجاناً أخرى، وسافر كثيراً في وفود تربوية، وترحل في الداخل والخارج.

وقد انتقيتُ عدة تجارب عملية في التنظيم والإدارة والتخطيط تعامل معها محمد أحمد الرشيد بعد عودته من البعثة وحصوله على الدكتوراه، وستجد فيها الدلالة والبذور التي نشأت منها تجربته الثرية، وهي كما يلي:

1- (لقد وُكل إليَّ في السنة الأولى من عملي - بصفتي عضو هيئة تدريس في الجامعة - الإشراف على البرامج التدريبية لمن هم على رأس العمل من المعلمين في التعليم العام وممن في حكمهم من مديري المدارس على اختلاف مراحلها، والمشرفين التربويين وكانت خبرة ثرية، عايشت فيها المعلمين والمديرين، وسافرت معهم في زيارات ميدانية، وهذه التجربة جعلت الكثيرين ممن هم أكبر مني عمراً يدعونني بأستاذهم!! وكان شغفي بمعرفة نتائج تلك البرامج التدريبية كبيراً، وكنت أرغب في الوقوف على مدى تأثر المتدرب بما تدرب عليه، وهذا يقتضي رصداً دقيقاً للممارسة قبل التدريب، ثم الملاحظة للممارسة بعد التدريب). (ص 54).

2- (لقد كان لي شرف تنظيم أول مؤتمر عقدته الجامعة في رحابها، فقد كان موضوع رسالتي للحصول على درجة دكتوراه الفلسفة في التخصص هو - أهداف مؤسسات التعليم العالي -، وقد استفتيت كل الطلاب السعوديين الدارسين في جامعة الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك، حيث أقمت في مدينة نيويورك عدة أسابيع متعاوناً مع الملحق الثقافي السعودي المسؤول عن المبتعثين وأخذت منه عناوين كل طلاب المملكة الموجودين في أمريكا حينها ولم يكن عددهم حينها كثيراً كما هو الآن، ووجدت التفاوت الكبير في إدراكهم لرسالة الجامعة، ومن هنا فقد حرصت على تنظيم مؤتمر تشارك فيه كل مؤسسات التعليم المدني والعسكري وقيادات الأجهزة الحكومية والقطاع الأهلي نحدد فيه معاً (رسالة التعليم العالي). وهو كل تعليم يلي التعليم الثانوي مباشرة). (ص 54).

3- شرفتني إدارة الجامعة بأن أكون منسقاً ومقرراً لدراسة تتم لأول مرة سميناها - الدراسة الذاتية- هدفها تقويم مسيرة الجامعة، وعن طريقها تتبين لنا نقاط الجودة فنعززها ونقاط الضعف فنعالجها. وتمت الدراسة بأن طلبنا من كل قسم علمي، ومن كل عمادة أن تكتب وصفاً دقيقاً لواقعها مع تفاصيل عن برامجها، وعن العاملين ومؤهلاتهم، وإنتاجهم العلمي وعن المختبرات والمعامل والفصول الدراسية، والطلاب وأعدادهم في كل مرحلة، والمكتبة وغير ذلك.

4- (وحين أسندت إليَّ وكالة كلية التربية ثم عمادتها حرصت أن أقف على حال كليات التربية وكليات إعداد المعلمين في جميع الوطن العربي حتى نستفيد من تجارب الآخرين، وتم - ولله الحمد - ما أردت واجتمع في رحاب جامعة الملك سعود عمداء كليات التربية وإعداد المعلمين من الدول العربية.

5- أكسبني عملي في جامعة الرياض خبرة عظيمة مكنتني من التعلم وتوسيع المدارك، فلقد كنت في لجنة تحديد الاحتياجات الأكاديمية للجامعة التي بنى عليها المستشارون المعماريون مخططات الجامعة الرئيسية ومخططات البناء لمقرها الحالي الذي اعتبره الكثيرون عند انتهاء بنائه وتجهيزاته تحفةً معماريةً. واقتضى هذا أن نزور العديد من الجامعات في الدول المتقدمة لنختار أفضل المواصفات (ص 59).

6- لقد حظيت بأن أكون مستشاراً عند وزير التعليم العالي ضمن فريق كان يقوم بدراسة الكثير من الأمور، كما سعدت بأن أكون عضواً في أول لجنة لمعادلة الشهادات الجامعية تابعة لوزارة التعليم العالي، ومن خلال العمل في هذه اللجنة تمكنا جميعاً من الوقوف على الأنظمة التعليمية في العديد من دول العالم، وكانت الأعمال تُوزع على الأعضاء بحيث يقوم كل اثنين منا بدراسة أنظمة منطقة من مناطق العالم ويُقدِّمان عنها تقريراً، وهذا قد جعلني أزور زيارات رسمية بلداناً عديدةً وأدرس نظامها التعليمي العام والعالي ومن تلك الدول: أستراليا، ونيوزلاندا، وأمريكا، وأندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وتايلند، كانت فرصاً أُتيحت لي أحمدُ الله عليها). (ص 60).

ثم عين محمد أحمد الرشيد مديراً عاماً لمكتب التربية العربي لدول الخليج فأحدث ذلك اتساعاً أكبر في تجربته حيث عاصر تجربة إنشاء جامعة الخليج العربي ثم انتخب لعضوية مجلس إدارة المعهد الدولي للتخطيط التربوي بفرنسا ثم عضواً في هيئة مستشاري الموسوعة العالمية وعضواً بلجنة الخطة الشاملة للثقافة العربية، ثم يقف بنا عند هذه التجربة الأرحب والأوسع:

(قضيت تسع سنوات مديراً عاماً لمكتب التربية العربي لدول الخليج، وانتهى الزمن المحدد لي في عام 1988م، فعدت إلى جامعة الملك سعود أستاذاً فيها. وجاءني عرض أن أقضي 12 شهراً أستاذاً زائراً في جامعة كاليفورنيا في منحة تُسمَى (فولبرايت للأساتذة الجامعيين المتميزين) لأن شروط هذه المنحة انطبقت عليَّ، وكان راتبي ومخصصاتي المالية بما فيها تذاكر السفر من المنحة، وكنت - بفضل الله - أول سعودي يحصل على هذه المنحة، فقضيت 14 شهراً (من يونيو 1988م إلى سبتمبر 1989م) في جامعة كاليفورنيا (سانتا باربرا)، كانت من أمتع أيام حياتي وتعلمت أشياء كثيرة، ومرت عليَّ كثير من التجارب أبرزها اشتراكي مع فريق علمي يزور الجامعات يقوم بالتقويم الجامعي (الاعتماد الأكاديمي)، إذ أصبحت علاقتي برئيسة الجامعة آنذاك قوية فاقترحت عليَّ أن أكون مرشح جامعة كاليفورنيا للعمل مع ذلك الفريق، وقمنا بزيارة الجامعات في ولايتين أمريكيتين لتقويم الجامعات واعتمادها أكاديمياً وكانت تجربة عظيمة لا أظنها أُتيحت لغيري من السعوديين قبل ذلك، وشاركت في مؤتمرات عديدة في تلك المدة، في مجالات تخصصي وغيرها) (ص 90).

ويختم محمد أحمد الرشيد هذه السلسلة الثرية من التجارب بعضوية مجلس الشورى. ولقد تمنيت أن يتوقف عند هذه التجربة ويخوض فيها بأمثلة وتفاصيل مفيدة كالتي قدمها عن تجاربه التعليمية والتربوية، ولكنه للأسف اكتفى بكلام عام عن المبادئ، وعموميات أشبه بخطبة أو مقال. ولعل له في ذلك عذراً، وربما لأن مجلس الشورى كان بعيداً عن اهتماماته التخصصية في شؤون التعليم والتربية. ولهذا كان حديثه عن عضويته لمجلس الشورى نغمةً منفردةً خارجةً عن اللحن الذي يعزف عليه الكتاب منذ بدايته، نغمة بنشاز أسلوباً وعرضاً وفكراً.

والدليل على ذلك أنه يعود لطريقته في سرد الذكريات والتجارب عندما يتحدث بعد ذلك مباشرة عن عضويته للمجلس التنفيذي لليونسكو، وكانت تجربة ثرية ورائدة وممتعة.

المرحلة الثانية وزيراً للمعارف:

تحتل تجربة محمد أحمد الرشيد وزيراً للمعارف ثلثي الكتاب رغم قلة عدد سنواتها قياساً بمراحل حياته السابقة، ولكن لأهمية هذه التجربة بالنسبة لهذا الجيل، ولمن جاء من بعد أطال وأسهب وقدم كل ما يعتقد أنه مفيد للقارئ؛ وهي تجربة ثرية تستحق أن يقف عندها ويطيل الوقوف.

عُين المؤلف وزيراً للمعارف في تشكيل سنة 1416هـ، وقبل إصدار قرار التعيين بأيام تصله رسالة في غاية الأهمية، تنضح بالحكمة، وتنبض بالصدق والإخلاص والمحبة من الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري، ولو يجد كل مسؤول كبير أو وزير إنساناً مخلصاً مثل التويجري يسدي له النصح بمثل هذه الرسالة لنجت البلاد والعباد من أخطاء كثيرة تقع ربما بدون قصد من أصحابها. وأجد أنه لزاماً عليَّ أن أضع بين يدي القارئ جزءاً كبيراً من هذه الرسالة حتى ولو كان في ذلك إطالة لما فيها من عظيم الفائدة، إذ يقول له فيها:

بالأمس كنت تتحرك في حدود ضيقة لا تملك غير الأماني والأحلام التي تشغل بالك تجاه خدمة بلدك، واليوم خرجت من هذه الحدود الضيقة إلى سعة المسؤولية التي من خلالها ستجابه فئات كثيرة من أرباب الثقافات والمعرفة وتجابه أيضاً مسؤوليتك، لم تعد ذلك الإنسان الذي لا تلاحقه العيون وترصد تحركاته في مسؤوليته أو في الشارع العام مع الناس.

لذلك أحدد في هذه الرسالة ملامح لبعض الملاحظات آمل أن أكون بها قد أعطيتك شيئاً من خبرتي:

1- ادخلْ عملك متواضعاً، أَحْكِم تصرفاتك داخل الوزارة بانضباط لا يطغى عليه انفعال يكون له ردود فعل في نفس زميل لك في الوزارة، اشعرْ مسؤوليك أنه لا تمايز بينك وبينهم، وأن وجودك معهم غايته ووسيلته الخدمة العامة وتنشيط هذه الأهداف.

2- لا تسرعْ ولا تتعجلْ في التنقلات وفي تغيير المناهج إلا بعد تبصر ودراسة وتحديد مواطن الضعف فيها، ثم بعد ذلك احملْ أفكارك إلى الجهات العليا بواسطة سمو الأمير سلطان أو مَنْ ترى وخذ الرأي والأمر بما تراه الجهات العليا.

3- حاولْ أن يكون وقتك محدداً فيه حركتك، لا تتوسعْ في علاقاتك أكثر مما يفيد هذه العلاقات.

4- لاحظْ أن كل كلمة محسوبة عليك، تحفظْ كثيراً وإذا فعلت شيئاً جيداً لا تقل فعلت وغيّرت وسوّيت، أنكِر ذاتك تسلم من مضاعفة الحساد.

5- أنت إلى حد الآن مجهول الهوية عند كثير من الناس سواء في الداخل أو في الخارج.

6- أنت الآن تضع خطواتك على أول الطريق وهو طريق شاق، نجاحك في قدرتك على وضع خطاك مع المسؤولية بقدر من الاتزان والوقار والتواضع.

أرجو أن تقطع طريقك الطويل بجهدك وبصيرتك وأن لا يلحق بك في هذا الطريق سبب من الأسباب فيقول لك قف، لا أقول لك هذا من خيالي بل من تجربتي الخاصة فمن يوم وضعت قدمي على طريق مسؤولية صغيرة في المجمعة والآخرون يضعون العثرات من أمامي وخلفي وعن يميني وعن يساري وكلما شعرت بذلك ازدادات صلابتي واشتد عودي وحسبت لكل خطوة حسابها خوفاً من السقوط وأنا في أول الطريق فأموت موتاً أبدياً وإن كنت أقطع سكك بلدي ليل نهار وبعد أن انتقلت إلى الحرس الوطني هل انتهى كل شيء، أبداً.

الطبيعة البشرية واحدة سواء كانت في القرية مع عمل صغير أو في المدينة مع عمل كبير. تضاعف الحسد عليَّ والكيد والدس والافتراء والظلم إلى حد أنَّ أقربَ الناس إليَّ صار يتابع التقارير ضدي، قصة طويلة ولكن (ومافي الدنيا أشجع من بريء).

لي في الخدمة الآن يا محمد ثلاثة وستون عاماً، ليتني استرحت يوماً واحداً من الحسد!! وقبلي قال أبو الطيب المتنبي لسيده:

أزل حسد الحسّاد عني بكبتهم

فأنت الذي صيّرتهم لي حُسّداً

عملك الجديد سيصيّر لك حسداً، أقللْ من الكلام، كن محافظاً تسمع ولا تحكي. هذه الرسالة لا تعني أنك قليل الخبرة إن شاء الله، الخوف عليك هنا قد يكون عاطفياً ربما يفيدك.

7- أملي أن تدخل مع نفسك وسلوكك في كل شيء من العلاقات إلى شربة الماء وما ترى أنه غير مناسب لوضعك ابتره ولو أوجعك.

هذه الإشارة أرجو أن تقف عندها وقفة تأمل). (ص 129-130).

واتخذ وزير المعارف هذه الرسالة نبراساً أضاء له الكثير من معالم الطريق، وكان دائماً يتذكر في مواقف الخيارات الصعبة قول التويجري الحكيم (ما في الدنيا أشجع من بريء) وبقناعة أن (المعلم) وإعداده الإعداد اللائق هو أساس العملية التعليمية والتربوية، بدأ محمد أحمد الرشيد مهامه في وزارة المعارف وعبر عن ذلك بقوله:

(اقتناعي الذي لا يتزعزع بأن التربية الجيدة هي العامل الرئيس المحقق للتنمية. وأن التربية الجيدة تعتمد على المعلم المربي الجيد، وبالتالي فإن التركيز على المعلم: انتقاءً وإعداداً وتدريباً ينبغي أن يكون الهم الأول لوزارة المعارف، وأن العوامل الأخرى - مع أهميتها - لا تصل إلى أهمية المعلم، لأنه مهما كانت البيئة المدرسية - من مبنى وتجهيزات - جيدة، ومهما كانت المناهج متطورة فإذا لم يكن هناك معلم قادر على (قدح شرارة الشوق في نفس المتعلم لأن يتعلم) فلا جدوى منها جميعاً. وحددتُ الشعار الذي شاع فيما بعد، وكُتب بخط عريض على الجدران ولوحات الإعلانات في معظم المدارس:

وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة

وجوهر كل تربية عظيمة معلمون ومربون عظماء، منتجون، مخلصون، صادقون، عاملون).(ص 131).

وبناءً على ذلك وضع وزير المعارف في أول اجتماع له مع مديري التعليم بمختلف مناطق المملكة الثوابت التالية:

1- إننا نحن العاملين في ميدان التربية والتعليم أصحاب رسالة لا سبيل للقيام بمهمتنا إلا حين نعمل جميعاً بروح الفريق، لذا فإنه لا يصدر قرار إستراتيجي إلا بعد أن تتم دراسته وتنقيحه من قبل القياديين، وأعني بهم في المقام الأول: الزملاء التربويين في الميدان، فهم على اتصال مباشر مع المعلمين والمتعلمين.

2- ليس بالإمكان تحقيق طموحاتنا في التطوير إلا بسلامة صدورنا، ووضوحنا وحسن ظن كل واحد منا بالآخر مع تكامل جهودنا والتنسيق فيما بين قطاعات الوزارة.

3- إن دور الجهاز المركزي (الوزارة) يقتصر على التخطيط المبني على ما يرد من الميدان من مقترحات تطويرية، والتنفيذ متروك لإدارات التعليم المنتشرة في المملكة، بما في ذلك توزيع الميزانية السنوية حسب حجم كل إدارة.

4- لا تغيير في المراكز الوظيفية والجميع مدعوون للاستمرار في عملهم، والحكم على أي شخص يكون بناءً على معايير وضوابط محددة.

5- يعقد صباح كل يوم أربعاء اجتماع يضم - بجانب الوكلاء والوكلاء المساعدين - المديرين العامين ورؤساء الأقسام والغرض منه تبادل المعلومات عن كل ما يجري في كل إدارة وقطاع وما سيكون عليه الأسبوع المقبل، بحيث يكون الجميع على علم بما يجري في الوزارة ويكون التكامل قائماً في مشاريع الوزارة ويدعى للاجتماع مديرا تعليم: أحدهما مدير تعليم منطقة والآخر مدير تعليم محافظة.

6- يتولى فريق عمل دراسة كل مشروع أو برنامج ويعرضه على المجتمعين لتطويره وتنقيحه.

7- يوضع جدول زمني بموجبه يتم توزيع مناطق التعليم ومحافظاته على كبار مسؤولي الجهاز المركزي لزيارتها ومتابعة تذليل كل العقبات التي قد تواجه كل إدارة.

8- تكوين فرق عمل يزور كل منها عدداً مختاراً من الدول الخارجية للوقوف على تجاربها والاستفادة منها.

9- ترتيب لقاء سنوي لمديري التعليم مع القيادة (الملك، ولي العهد، النائب الثاني، وزير الداخلية) لتلقي توجيهاتهم وإطلاعهم على واقع التعليم.

10 - عقد مؤتمر سنوي لمدة ثلاثة أيام، يكون العمل فيه على نمطين، نمط فكري، ونمط إجرائي، ويكون فيه ضيف كبير يتحدث في جانب فكري تحدده لجنة الإعداد، إلى جانب أوراق عمل أخرى من المشاركين.

ثم أضاف معالي الوزير على تلك الثوابت المفاهيم التالية:

1- إننا في الوزارة مؤتمنون على أغلى ما تملكه الأمة، فلذات أكبادنا، رجال المستقبل بإذن الله.

2- المعلم صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب وظيفة بالنظر إلى عظم الدور التربوي الذي يقوم به في المجتمع.

3- إن أول ما يجب أن نُعلِّمه للطلاب والطالبات هو: كيف يتعلمون وكيف يستثمرون في التعليم ويستمرون فيه إلى آخر أيام العمر وكيف يفكرون وكيف يستنتجون ورددنا المثل الذي يقول: (لا تعطني سمكة وإنما علمني كيف أصطادها).

4- إن من صميم مسؤولية المدرسة اكتشاف المواهب وتوجيهها وترسيخ حب المهنة، والعمل بإتقان، وحب العمل اليدوي.

5- التعليم بالقدوة، ومقياس نجاح المعلم هو ما يبدو من أثر لما يعلمه لتلاميذه وليس حفظهم.

6- إذا كانت الإدارة سلطة، أعطاها المرؤوسون أطراف ألسنتهم، أما إذا كانت روحاً وقلباً واحتراماً وتشاوراً، أعطاها المرؤوسون ذوب أنفسهم وبدا هذا كله في إنجازهم.

7- أثمن النصائح وأحكمها لا يستفيد منها المرء ولا يفيد ما لم يطبقها.

8- إذا كنت ترجو كبار الأمور

فأعدد لها همة أكبرا

وعلق على أصداء ذلك والتجاوب مع هذه المبادئ بقوله: (أدركت أن الجميع استجاب لفكرة أن التربية عماد الغد، وأن تحسين الأداء لازم، وأن التعاون مهم للجميع وأنه لا بد لنا من الإسهام في الحركة الطموحة بنشاط ورضا وسعادة) (ص 134).

وبعد استعراض الإنجازات والأنظمة والتغييرات التي أحدثها في وزارة المعارف في عهده في مدى يزيد على 300 صفحة أجد أن الخلاصة التي تتمثل فيها تجربة هذا الوزير المتمرس تتمثل في قناعته الثابتة بأن الإنسان هو أساس التطوير وهو هدفه، وكل ما عدا ذلك يظل عاملاً من عوامل هذا الهدف الكبير، وهذا ينطبق على التعليم، وقد أوجزه بقوله: (ولإيماني العميق بأن التعليم مهمة اجتماعية قبل كل شيء لا يقتصر الإنجاز فيها على أداء المدرسة، وإنما يتأثر بالاقتناعات والممارسات الأسرية والاجتماعية، وبالأنظمة الإدارية والمالية.. وغيرها، فقد تأملت إبان تسلمي مهام الوزارة في أسلوب يمكن أن يقود إلى رسم خارطة العمل في وزارة كانت أبداً مطالبة بالكثير وكانت دوماً محط الأنظار، تبعاً لأهميتها في إعداد الإنسان في بلادنا، وفي كل بلاد الدنيا، الإنسان الذي هو أولاً وأخيراً العنصر الأساسي في مدخلات ومخرجات جميع برامجها، وهو - أيضاً - الهدف النهائي لكل تلك الجهود، ووجدت تبعاً لذلك أن إشراك الإنسان في تقويم برامج وخطط الوزارة والاستنارة برأيه في تحديد أهمية وأوليات تلك الخطط والبرامج أمر بالغ الأهمية، وتقتضيه الضرورة للوصول إلى خطة عمل تمثل الرأي العام، المتخصص وغير المتخصص، فالتعليم كما أشرت همٌّ للجميع). (ص 138).

ولو لا أني أخشى الإطالة على القارئ لمضيت في استعراض تجربة المؤلف في وزارة المعارف فصلاً فصلاً، فهي تجربة ثرية ومثمرة أحاطتها خبرة صاحبها وعلمه ودينه ووعيه وإخلاصه لوطنه وحبه لمواطنيه بسورٍ متينٍ من الصدق والواقعية مما يجعل العقل يتمثلها بسهولة والقلب يرتاح لها بأمانة، والأجيال القادمة تنهل منها فتضيف إلى رصيدها الشيء الكثير.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد