Al Jazirah NewsPaper Sunday  11/03/2007 G Issue 12582
مقـالات
الأحد 21 صفر 1428   العدد  12582
الوهم القاتل!
محمد بن أحمد الشدي

كتب أحد الأساتذة العرب موضوعاً تحت عنوان (الميل الفكري)، واستهواني العنوان كما استهواني الموضوع الذي كان غاية في الإمتاع.. وقلت في نفسي ليت هذا الأستاذ يكتب عن أنواع عديدة من هذا الجنوح عن الطريق القويم في الاقتصاد، وفي الإدارة، وفي السلوك والتعامل الاجتماعي.. ذلك لأن السنوات التي مررنا بها أفرزت عدة أخطاء وسلبيات تحتاج إلى بحث وتحتاج إلى تعديل.

وإذا جاز لي أن أستعير فكرة من ذلك الأستاذ الفاضل، فإن هذه المقالة القصيرة ستكون عن (الميل الاجتماعي) وتجاوز البعض بأسلوبه الفج مع الآخرين.

في السنوات الأخيرة تدفقت الثروة على بلادنا بشكل لم تعرفه إلا القليل في بلاد العالم.. فقامت الدولة بتنفيذ ما لا يحصى من المشاريع الحيوية في جميع القطاعات وبذلت أقصى جهودها في سبيل الرقي بالمواطن السعودي وتوفير الرفاهية له.. ونفذت خططها الخمسية بكل دقة وحرص ومتابعة حتى أصبح المواطن يعيش في مستوى اجتماعي وحضاري.. وهذا شيء طيب يستحق الشكر.. والعرفان لله تعالى ثم للمسئولين الذين كانوا وراء هذه الرفاهية والانجازات الكبيرة.

لكن ما نود أن نقوله بكل صراحة هو أن هناك نسبة كبيرة وغالبة من المواطنين لم تحسن التصرف بهذه النعمة وتلك المعطيات، فراحت تبذر هذه النعمة في البهرجة الفارغة والكماليات والسيارات الفخمة جداً.. والفرش الأنيق.. إلخ.

وبعض هؤلاء الذين هبطت عليهم الثروة أو استفادوا من التعويضات التي دفعتها لهم الدولة لقاء نزع الملكيات من أجل تطوير المدن.. هؤلاء أيضاً لحقوا بالركب فأصبحوا من هواة البذخ.. والسفر.. والتظاهر.. فبددوا الأموال الكثيرة دون أن ينظروا إلى مصلحة بلدهم ومجتمعهم..!!

ومنهم من ورط نفسه في عادات ذميمة.. لأن الأموال التي تدفقت عليه كالنهر مكنت الشيطان من الاستيلاء على عقله وقلبه وبصره فأصبح يخبط خبط عشواء..!!

حدثني أحد الأصدقاء عن واحد من هؤلاء الذين أصبحوا أثرياء جداً بعد أن كانوا (على الحديدة)..!! كما يقال - وذكر لي كيف جرته رغباتُه وأهواؤه إلى حد التبذير الخرافي والإتلاف المحموم...!! ثم ها هو اليوم يعيش في حالة يرثى لها من المرض والديون.. إن النعمة إذا لم يحفظها الإنسان ويصنها ويشكر ربه عليها تتحول إلى نقمة.. وإلى لعنة تحرق الأخضر والبابس..!!

عرفت صديقاً بسيطاً كان مثال الطيبة ومثال الخلق القويم والتواضع..!! ومرت سنوات فإذا بصاحبي يتغير بعد أن أتيحت له الفرصة وأصبح مسؤولاً مطاع الكلمة، وأصبح من الأثرياء.. وهذا من فضل الله. ولكنه أصبح يتعالى على كل من عرفهم في الزمن الخشن والأيام السوداء.

تألمت لما فعله الوهم بصديقي فلم يعد ذلك الإنسان البسيط المتواضع الذي كنت أعرفه من قبل بلا ملايين أو نفوذ..!!


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد