Al Jazirah NewsPaper Sunday  11/03/2007 G Issue 12582
الرأي
الأحد 21 صفر 1428   العدد  12582
اقتصاد السوق الاجتماعية..الطريق الثالث
د. أحمد العثيم / كاتب اقتصادي

اقتصاد السوق الاجتماعية ليس مصطلحاً جديداً، فقد ظهر في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ويعود الفضل في ذلك إلى لودفيغ إرهارد الملقب بأبي المعجزة الاقتصادية الألمانية؛ وهو أول وزير للاقتصاد في جمهورية ألمانيا الاتحادية، ثم شغل منصب المستشار الاتحادي وذلك لسنوات قليلة فقط. ويتمثل الإنجاز التاريخي الذي يحسب له في وضعه مفهوم اقتصاد السوق الحر القائم على التكافل الاجتماعي. وتمتع الألمان جراء هذا النظام بضمانات اجتماعية كالتعويض ضد البطالة والتأمينات الصحية وبرامج التشغيل والتأهيل الحكومية.

ومفهوم اقتصاد السوق الاجتماعية يدور حول إيجاد طريق ثالث بين الاقتصاد التعددي الذي تلعب الدولة فيه دوراً ريادياً واجتماعياً، والاقتصاد الليبرالي؛ أي اقتصاد السوق الحرة؛ ونموذجه القدوة هو النظام الرأسمالي الغربي، ويرتكز المفهوم على ثلاثة أسس مهمة.. الأساس الأول: المنافسة؛ أي ضرب الاحتكار من أي مصدر كان، لأن الاحتكار دائماً يؤدي إلى الركود ويعطل إمكانية استخدام كل الطاقات الكامنة. الأساس الثاني: خلق نوع من تكافؤ الفرص بين الهيئات والفعاليات الاقتصادية المختلفة، والحد من القدرة ليس فقط على الاحتكار، بل أيضاً الحد من سيطرة أقليات على مقاليد الأمور الاقتصادية. الأساس الثالث: تدخل الدولة عندما تعجز آليات السوق عن تأدية دورها.

وتختلف تطبيقات اقتصاد السوق الاجتماعية.. فهي كثيرة، فنجد أنه يأخذ شكلاً محدداً في اليابان لا يختلف جوهرها في مضمونه عما طبق في ألمانيا الاتحادية. ويسمى اليوم في الصين اقتصاد السوق الاشتراكية. وأطلق عليه في كثير من الدول الأوروبية تسمية أخرى (الاقتصاد الاجتماعي للسوق)، وتتباين عادة التطبيقات التفصيلية لاقتصاد السوق الاجتماعية، ففي اليابان جرى التركيز على التزام الشركات الخاصة تثبيت العاملين والمستخدمين فيها مدى الحياة. وفي ألمانيا اتخذ شكلاً آخر لتدخل الدولة، حيث رعى التوجه من قبل الشركات الخاصة لتبني (الإدارة المشتركة، أو المسؤولية المشتركة)، وتأمين تفاهم أرباب العمل مع النقابات بشأن سياسة الأجور.

وقد داومت الصحف ومراكز الأبحاث العربية في الفترة الأخيرة تداول هذا المصطلح - اقتصاد السوق الاجتماعية - خصوصاً بعد أن خرج المؤتمر العاشر لحزب البعث الحاكم في الجمهورية السورية بخطة جديدة حملت اسم (اقتصاد السوق الاجتماعية) كوسيلة للخروج من حالة التردي والركود الاقتصادي الذي تعاني منه سورية. ولكن هل من الممكن تطبيق هذا النموذج في كثير من الدول العربية التي تعاني الحالة السورية نفسها؟ أم أنه كسابقيه من النماذج لا يصلح للتطبيق في الدول النامية بصفة عامة، والعربية بصفة خاصة؟ وهذا يقودنا إلى إبداء مجموعة من الملاحظات العامة حول اقتصاد السوق الاجتماعية عموماً قبل أن نقرر مدى ملاءمته للحالة العربية، ومن هذه الملاحظات:

أولاً: اقتصاد السوق الاجتماعية يحتوي على دور مختلف للدولة، ولكن ليس معنى ذلك أن الدولة ليس لها دور، ولكن دورها مختلف عما هو عليه الحال في الاقتصاد التعددي، فدورها في اقتصاد السوق الاجتماعية هو راعٍ فقط للقضايا الاجتماعية، وموجه لمسارات العملية الإنتاجية ومسائل التنمية البشرية والتكنولوجية، وأيضاً كأداة لمحاربة الفساد وإعادة تدريب قوى العمل وتأهيلها لمشروعات استثمارية جديدة بدلاً من تسريحها تعسفياً بصفتها أحد أسباب الركود والخسارة، إلى جانب استمرار دور الدولة في مراقبة آليات السوق والتدخل عندما يعجز الاقتصاد الحر عن تأدية مهمته بما في ذلك تسوية المشكلات الاجتماعية وتحقيق مكاسب للطبقة العاملة.

ثانياً: اقتصاد السوق الاجتماعية هو اقتصاد توافقي، حيث إنه يجمع بين نقيضين عدالة اجتماعية أكبر وفعالية اقتصادية أكثر. وهذا يتطلب سياسة اقتصادية واضحة ومرنة تنطلق من مصلحة المواطن. فجوهر اقتصاد السوق الاجتماعية هو محاولة للجمع بين قوانين الاقتصاد الحر كما عرفتها الرأسمالية وبين مبادئ تناقضها تتعلق بالجانب الاجتماعي في النظام الاشتراكي، حيث تحتل مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والضمانات الصحية والتعليمية المرتبة الأولى في سلم الاهتمامات.

ثالثاً: لفظة الاجتماعي المرتبطة باقتصاد السوق الاجتماعية كانت تعني عند الألمان التعويض ضد البطالة والتأمينات الصحية وبرامج التشغيل التأهيل الحكومية، إلا أنها قد تعني في معظم الاقتصاديات العربية تمويهاً لأشكال الضبط البيروقراطية للسوق والاحتكار السلطوي للفساد والنهب.

رابعاً: تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعية في الدول العربية مرهون بحدوث معجزة اقتصادية كالتي حدثت في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية التي حولتها خلال أقل من ثلاثة عقود من دولة دمرتها الحرب العالمية الثانية، إلى ثالث قوة اقتصادية عالمية، وهذا ما مكّن الدولة الألمانية من التمتع بإيرادات مالية ضخمة تقوم بإنفاقها على مؤسسات الضمان، ومشروعات التشغيل والاستثمار. فمعظم الاقتصاديات العربية تعاني من انخفاض معدل النمو الاقتصادي، وازدياد معدلات البطالة، وازدياد معدل النمو السكاني، وانخفاض مستوى الدخل الوطني والدخل الفردي، وسوء توزيع الثروة، والفساد، والبيروقراطية، وتردي الواقع الخدمي.. وما يعزز عدم ملاءمته هو قول بعض الخبراء: إن بلادنا لا تزال متخلفة، ولم تبلغ بعد مرحلة النضج في هياكلها الاقتصادية، كما هو الحال بالنسبة إلى البلدان المتقدمة في أوروبا، كي يمكن إطلاق العنان لآليات السوق, ولا سيما في مجالات توجهات التنمية وتعبئة الموارد وضبط عملية التراكم، إلى جانب سلسلة من الإجراءات التخطيطية الاقتصادية والاجتماعية ذات الطابع الاستراتيجي التي عادة ما تعجز السوق بمفردها عن حلها حلاً عادلاً ومرضياً.

E-mail:asa5533@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد