مرت الدرعية وما حولها كغيرها من مناطق شبه الجزيرة العربية وباقي أنحاء العالم الإسلامي بفترات من الضعف والانحطاط صاحبها بروز مظاهر من الانحراف الديني وشيء من البدع والشركيات جراء ضعف الدعوة وقلة العلماء الذين يصدعون بالحق ويقفون في وجه انتشار تلك البدع والشركيات، إلى أن قيض الله للمنطقة من يجدد بعض مظاهر الدين التي اندرست وخصوصاً في جانب العقيدة التي شابها كثير من الشوائب، ذلكم هو الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
وقد تمثلت بعض مظاهر تلك الشركيات في التقديس والتبرك والتعظيم لبعض الأماكن والأشخاص والأشجار التي نسجت حولها بعض الأساطير كما جرت به العادة في مثل هذه الأمور لترغيب الناس في التعلق بها وتحقيق مصالح خاصة للقائمين على تلك الأماكن مستغلين جهل العامة ورغبتهم في الخير وقضاء حوائجهم بشتى الوسائل.
وأظن أن من أسباب انتشار تلك الأماكن المقدسة في المنطقة سيطرة الدولة الأخيضرية على منطقة اليمامة نحو أربعة قرون خلال الفترة التي امتدت من منتصف القرن الثالث الهجري إلى منتصف القرن السابع الهجري وبسط نفوذها ومحاولة نشر عقيدتها العلوية الزيدية التي من بعض سماتها الظاهرة التبرك بالأولياء والصالحين وتعظيم الأماكن والأشجار وغيرها. وهذه أمور غريبة على المنطقة لم توجد من قبل. وقد استمرت تلك المظاهر الشركية بعد سقوط دولة الأخيضريين على يد بني العصفور من عامر بن عوف وتطورت إلى العصر الذي ظهر فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي حارب بدوره تلك الأمور الشركية، وما يرجح ذلك أن مظاهر التبرك والتقديس قد انتشرت في مناطق نفوذ الدولة الأخيضرية في إقليم الخرج والعارض بصفة خاصة ولم تكن منتشرة في منطقة القصيم التي لم تخضع لسيطرة الدولة الأخيضرية، كما نصت على ذلك إحدى رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقوله: (وأهل القصيم غارهم إن ما عندهم قبب ولا سادات).
وقد انتشرت بعض تلك المواضع (المقدسة) في أماكن معروفة في الدرعية وضواحيها -وهي ما يهمنا هنا فقط- ذكرها مؤرخ الدعوة السلفية الشيخ حسين بن غنام - رحمه الله- كما ورد ذكر لبعضها في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي كان يبعثها لبعض مشايخ ووجهاء البلدات والقرى المحيطة. وحيث إن تلك الأماكن قد اندرست تماماً -ولله الحمد- ولم يبق لها باقية، وأُمنت الفتنة بها، فلعلي لا أجد حرجاً في محاولة بيان وتحديد مواقع بعض تلك الأماكن في محافظة الدرعية في الوقت الحاضر لإيضاح ما تحقق لهذه الدولة المباركة من نعمة تمثلت في العقيدة الصافية، ومن تلك الأماكن:
1) قبر الصحابي الجليل ضرار بن الأزور رضي الله عنه في شعب غبيراء.
ويقع الشعب في شمال الدرعية وهو شعب يمتد من الغرب ويدفع شرقاً ليلتقي مع وادي حنيفة، والقبر لا يعرف موضعه الآن، فقد قامت في الشعب مزارع كثيرة فلا تجد فيه موضع قدم خال، ويأتي بعد السد المقام في ذلك الشعب بنحو نصف كيل كهف كبير في الجهة الجنوبية من ضفة الشعب يقال أن القبر كان قريباً منه، وهو كهف عميق يبدأ بما يشبه الغرفة الواسعة ثم يتفرع منه ممر باتجاه الغرب ثم ينكسر جنوباً ويبدأ سقفه بالنزول فلا يستطيع المرء أن يستقيم فيه قائماً ثم ينعطف غرباً ويضيق جداً ثم ينحرف جنوباً مرة أخرى، وهنا لا تستطيع مواصلة التوغل فيه إلا زحفاً. وقد دخلته قديماً وكان مملوءاً بأعداد هائلة من الخفافيش وبعض الثعابين شديدة السمية التي تسمى (الصل)، ويبدو أنه آنذاك قد اتخذ مستراحاً عند القبر وسمي قديماً بغار المنى (جمع أمنية باللهجة العامية)، ذلك أنه انتشر عند العامة أن من يذكر أمنيته عند الغار تتحقق له ولو بعد حين! والصحيح أنه لم يثبت استشهاد الصحابي الجليل ضرار بن الأزور في حروب اليمامة بل قيل أنه اشترك بعدها في معركة اليرموك بالشام سنة 13هـ.
2) قبور مجهولة لبعض الصحابة في مقبرة قريوة، وقريوة شعب صغير جداً يمتد من الشرق إلى الغرب وينتهي ببعض المزارع، وهو أول شعب يأتي على يمين السالك لمخرج محافظة الدرعية الجنوبي، وجنوب عن مقر محافظة الدرعية، وفي تلك المقبرة يرقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعض العلماء وأئمة الدرعية -رحمهم الله- ولم يثبت قبر أحد من الصحابة في تلك المقبرة! ولكنه الجهل لبس على الناس آنذاك، فالثابت أن حروب الردة حدثت في منطقة الجبيلة وعقرباء والحيسية الواقعة شمال الدرعية، وقبر الشيخ ابن عبد الوهاب يدعي بعض العامة في الدرعية أنهم يعرفونه والصحيح أن ذلك غير صحيح فقد أتى على الدرعية حين من الدهر لا تجد فيها إنساناً واحداً أو مستوطناً بسبب الفتن والحروب، الأمر الذي يجعل معرفة القبر بالتحديد من ضروب المستحيلات!
3) فحل النخل، ويسمى آنذاك (فحل الفحول)، وقد كان يوجد في شعب البليدة، وهو شعب يمتد من الغرب إلى الشرق ليلتقي بوادي حنيفة مقابل بلدة غصيبة التاريخية، وهو موازٍ لشعب غبيراء من جهة الجنوب، وقد كانت ترتاده العوانس والعواقر طلباً للزوج أو الذرية، فكن يقلن عنده: (يا فحل الفحول أريد زوجاً أو ولداً على مدار الحول) ثم يعلقن عليه خرقاً ويقدمن للفحل الهدايا وما تجود به أنفسهن، وتسمى المنطقة آنذاك بليدة الفداء، وقد ذكر أحد الباحثين أن فحل الفحول يقع في بلدة منفوحة القديمة غير أن هذا القول ليس بصحيح، فالثابت أنه في الموضع الذي حددناه، وفي الوقت الحاضر يقع هذا الشعب ضمن أملاك الأمير عبد الإله بن عبد العزيز.
4) شجرة الطرفية، ويبدو أنها من أنواع شجر الطرفاء التي تشبه الأثل، وكانت قديماً تقع في شعب البليدة السابق ذكره، غير بعيدة عن فحل الفحول، وقد اختصت بقدوم النساء إليها أيضاً، فإذا ما ولدت المرأة ولداً أتت إلى الشجرة وعلقت عليها خرقة اعتقاداً منها أنها تمنع العين عن ابنها وتحميه من الشرور.
5) غار بنت الأمير، وهو غار كان يعتقد أهل الدرعية أنه قد انفلق في الجبل لتلتجئ به ابنة الأمير بعد أن لحق بها بعض الفساق لهتك عرضها، فكان الناس يضعون فيه الطعام تبركاً به لحمايته تلك الفتاة واعتقاداً منهم أنها تخرج فتأكله، ويسمى أيضاً غار الغاشمية، ويقع الآن في طرف الدرعية الجنوبي في الجهة الجنوبية لضفة شعب الغاشمية الواقع ضمن نطاق مزرعة الملك خالد -رحمه الله- المسماة (المغترة) المواجهة لمنطقة المليبيد، ويقال إن أحد المشعوذين كان يختبئ فيه وعندما يأتيه طالب الحاجة ويبدأ في ذكر حاجته يقوم هذا المشعوذ بإصدار همهمة من داخل الغار فيظن الجهلة أن الغار يجيبهم، ويضعون له الطعام والهدايا فيخرج المشعوذ بعد تأكده من ذهابهم وبعد أن يرخي الليل سدوله فيلقف ما صنعوا له!
6) المطوية، وقد حرفت إلى المطيوية، وهي الآن مزرعة تقع إلى جانب حصن غصيبة الشهير في وادي حنيفة في الشعب المسمى قليقل، وقد كانت قديماً لجدي -رحمه الله- والآن تخص السديري، وقد سميت المطيوية تصغيراً للمطوية نسبة فيما أعتقده للقليب المجاورة لها في بلدة غصيبة التي نحتت في الصخر وطوي جانبيها لسقيا تلك البلدة. وقد نسجت حول تلك البئر العديد من الأساطير منها أن ثعباناً مجنحاً يخرج منها قبيل الغروب ويتجه إلى الهضبة الواقعة إلى الشمال منها ويغيب في أحد الشقوق ثم يعود قبيل انبلاج الفجر!
7) رجل من أهل الخرج يسمى (تاج) وقد كان كفيف البصر ويأتي من الخرج إلى الدرعية لوحده دون قائد يهديه الطريق ليجبي غلة ممتلكات له، فاعتقد فيه الجهال وعظموه، وقد ورد أن بعض الحكام في المنطقة يخشونه مع كونه غير ملتزم بأحكام الدين! ورغم وجود تلك الشركيات والبدعيات في الدرعية وما حولها مثل العيينة والرياض والخرج إلا أن الأمر ليس بتلك الظلامية التي يتصورها الناس من أن كافة المجتمع النجدي آنذاك كان غارقاً في جاهلية جهلاء حتى خرج من دينه كما حاول تصويره بعض المؤرخين! فقد وجد العديد من العلماء الأجلاء في تلك الحقبة والتي سبقتها ذكرت تراجمهم في كتب التراجم كالسحب الوابلة لابن حميد وعلماء نجد لابن بسام وتواريخ نجد ولكنهم لم يتبنوا حركات إصلاحية أو يؤلفوا جماعات ضاغطة ربما لأن الظروف لم تكن مواتية آنذاك.
ومن البلدات التي كانت مزدهرة علمياً في تلك الفترة بلدة أشيقر حيث برزت أسرة آل بسام وآل شبانة وآل عبد الوهاب، ومر على البلدة زمن اجتمع بها أربعون عالماً كلهم يصلح للقضاء، وفي العيينة نجد الشيخ أحمد بن عطوة (948هـ) والشيخ أحمد بن بسام (ت1040هـ) والشيخ أحمد بن مشرف (ت1049هـ) وهؤلاء العلماء وغيرهم الكثير ممن أغفلنا ذكرهم اختصاراً قد كونوا قاعدة علمية قوية لا يستهان بها ولكن تلك القاعدة العلمية تقوى وتضعف حسب الحالة الأمنية والاقتصادية في نجد عامة.
وقد أُلفت المجلدات والمجاميع الضخمة في تلك الفترة كمجموع ابن عطوة ومجموع ابن رميح ومجموع الشيخ المنقور، بل إن العلماء الذين رحلوا لطلب العلم خارج الجزيرة العربية قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بلغ عددهم سبعة عشر عالماً، ناهيك عن انتشار المكتبات كمكتبة آل إسماعيل في أشيقر وآل عوسجي في ثادق وآل ذهلان في الرياض وآل عضيب في عنيزة وآل عتيقي في المجمعة.
ولعل في إعادة قراءة تاريخ نجد بشيء من التمحيص والتدقيق خصوصاً في دواوين تلك الفترة التي سبقت أو عاصرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأقصد بتلك الدواوين شعر جبر بن سيار ورميزان وحميدان الشويعر ومحسن الهزاني وغيرهم من شعراء القرنين الحادي عشر والثاني عشر، لعل في ذلك ما يصحح كثيراً من المسلمات والنظريات التي لم تدرس بشكل صحيح وشامل!
للتواصل مع الكاتب
alofairi@yahoo.com