أبرز الضغوط التي واجهناها انعدام الأمن والبحث عن الأدلة والتعرف على هوية الشهود
أوضح المحامي التونسي الدكتور أحمد الصديق عضو هيئة الدفاع عن الرئيس الراحل صدام حسين أن فريق هيئة الدفاع واجه ضغوطا سياسية وأمنية داخل وخارج المحكمة عرقلت عمله وقال في حديث ل(الجزيرة): وجدنا صعوبات في الاستماع والتعرف على هوية الشهود حتى نعرف إذا كانوا محل طعن أم لا، ولم نتمكن من الانتقال إلى المحكمة أو دخولها والتعاطي مع كتابتها... وهذا كله كان مستحيل لأن الوصول إلى مقر المحكمة كان مخاطرة أقلها المغامرة بالحياة..كما أشار الصديق إلى الأثر السلبي الذي عكسته تصريحات السياسيين العراقيين على أجواء المحاكمة لاسيما تصريحات رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عبد العزيز الحكيم ورئيس الحكومة السابق إبراهيم الجعفري ورأى أن حكم الإعدام بحق صدام حسين هو قرار سياسي ويصنف قانونيا على أنه اغتيال.. وفيما يلي نص الحوار:
* كثيراً ما شككتم في شرعية المحكمة الجنائية العراقية العليا.. ما الحجج والأدلة على عدم شرعيتها طالما أن كادرها عراقي صرف؟
- الطابع السياسي للمحاكمة لا يتوقف على هوية وآلية اختيار كادرها لكن إنشاء المحكمة هو غير شرعي, وعندما لا يكون المنبت شرعيا يعني أن السبب وراء إحداثها لا علاقة له بالواقع. عادة تنشأ المحاكم لإقامة العدل وإنصاف الضحايا والقصاص من المجرمين أو لفضّ النزاعات التي يمكن أن تنشأ بين الفرقاء في أي مجتمع بشري منظم. والطرف الوحيد المخول لإقامة هذه المحاكم ووضع أنظمتها وآلية اختيار قضاتها هو (المشرّع) أي الطرف المخوّل حسب النظام الدستوري للدولة أن ينشئ هذه المحاكم. وما يثير التساؤل هو: هل أنشئت المحكمة الجنائية العراقية العليا التي حُدّدت لها مهمة وحيدة وهي محاكمة ما يسمى برموز النظام السابق في العراق لإقامة العدل؟ بالتأكيد لا لعدة أسباب: أبرزها أن هذه المحكمة أنشئت بقرار من المحتل الأمريكي بتاريخ 14-12- 2004 بنص صادر عن سلطة الاحتلال بزعامة (بول بريمر) وهنا أسأل: ما علاقة بول بريمر بإنشاء المحاكم في العراق؟.. اتفاقية جنيف خولت للسلطة المحتلة أن تقيم محاكمات في إطار محدود جداً يتحدد بثلاثة عناصر: أولاً: أن يكون إنشاء تلك المحاكم ضرورة قصوى لحفظ النظام. ثانياً: أن تنشأ تلك المحاكم من أجل محاكمة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا جرائم في النزاع المسلح الذي أدى إلى وقوع الإقليم تحت الاحتلال. ثالثاً: أن تكون القوة المحتلَّة مضطرّة لإنشاء تلك المحكمة حتى تقاضي جنودها إذا ارتكبوا جرائم.
غير هذه الحالات الثلاثة فإن القوة المحتلة غير مخولة قانونياً لإنشاء المحاكم في أي اتفاقات دولية وللتذكير فإن بريمر حل كيان الدولة العراقية بأمر من ثلاث صفحات وهو ما تسبب في تفكيك بنى الدولة العراقية بدءً من حل الجيش وعزل آلاف القضاة والتحريف والتفجير والنهب الذي وقع تحت عيون الاحتلال فأصبح العراق إقليم بلا أجهزة بلا دولة.. ومن ضمن هذه الإجراءات الجهاز القضائي العراقي ثم يأتي (بريمر) ليقيم على أنقاضه محكمتين الأولى: المحكمة الجنائية المركزية والثانية: المحكمة الجنائية العراقية العليا.
وقد جوبه تشكيل المحكمة الجنائية العليا بالاستنكار والتنديد من المنظمات الدولية ذات الصلة لأنه كان هناك شك كبير حول شرعية هذه المحكمة من حيث السلطة التي أنشأتها وكان لا بد من تدارك هذا الأمر من خلال العملية السياسية في العراق التي رأس جوقتها (بريمر) انتهت إلى مجلس وطني عراقي أصدر القانون رقم (10) لعام 2005 على أنه قانون صادر من سلطة عراقية شرعية وحرة!... إذاً كل النصوص التي شرّعت المحكمة أو أنشأتها أو وضعت نظامها القانوني هي نصوص باطلة أساساً. وحتى هذا القانون اللاشرعي الذي وضعوه لم يحترموه... نحن لم نعترف بشرعية المحكمة وحضرنا جلسات المحكمة لنبين للعالم أن المحكمة غير شرعية ولكننا فوجئنا بخروقات لا توصف من طرد للمحامين وتهديد للشهود وحجب الوثائق ومنع المتهمين من التحدث إلى محاميهم وضرب للمتهمين أمام أعين القضاة كما حصل مع الراحل (برزان إبراهيم الحسن) وكل ما كان مطلوبا من هذه المحكمة أن تكون غطاءاً مسرحياً لقرار اتخذ سلفاً بتشويه صورة النظام العراقي من خلال سماع الشهادات التي تشبه العروض المسرحية التي لم يتوفر فيها الشروط القانونية في الأنفال والدجيل، والغرض الثاني من المحكمة اتخاذ قرار بإنهاء المتهمين جسدياً وقتلهم لأنه لا يمكن لنا أن نسمي قرار الإعدام الصادر بالحكم. هذه هي المحكمة الجنائية العراقية وهذه هي الحالات التي وقعت والتي ستقع مستقبلاً ولا علاقة لها بالقانون وغرضها الوحيد الانتقام والتشفي وإنهاء خصم سياسي للاحتلال وقد تكفل عملاء الاحتلال في العراق بإنجاز هذه المهمة.
* أبرز الضغوط التي واجهتموها خلال مسيرة الدفاع؟
- أبرز العقبات انعدام الأمن في العراق... والبحث عن الأدلة أو محاورة موكلينا لنعرف أين تقع الحقيقة. وجدنا صعوبات في الاستماع والتعرف على هوية الشهود حتى نعرف إذا كانوا محل طعن أم لا، ولم نتمكن من الانتقال إلى المحكمة أو دخولها والتعاطي مع كتابتها... وهذا كله كان مستحيل لأن الوصول إلى مقر المحكمة كان مخاطرة أقلها المغامرة بالحياة.. ولقد خسرنا في فريق الدفاع خمسة آخرهم كان الزميل خميس العبيدي؛ فقط لأن وجوههم ظهرت بالتلفزة وقبلوا بالدفاع عن المتهمين.. كان الدفاع عرضة للقتل وعلقت بوسترات كبيرة في مدينة الثورة وفي النجف تبرز عليها صورنا وأسماؤنا محامون عراقيون وعرب وأجانب وعليها عنوان عريض اقتلوا هؤلاء المجرمين؟.
كان هناك انعدام لأي فرصة يمارس الدفاع من خلالها دوره الحقيقي. وبعد تدخلات كثيرة وفر الأمريكان لنا حماية حيث كانوا يأخذوننا من مدرج المطار إلى المحكمة ويتبجحون أمام المنظمات الدولية بأنهم يبذلون عشرة آلاف دولار في كل مرة نأتي فيها إلى المحكمة.
كذلك كان الادعاء العام يعرض علينا من الوثائق ما يشاء ويخفي ما يشاء.. والمفروض عندما يكون هناك خلاف مع الادعاء العام بحكم تقابل المهام والوظائف فإن القاضي هو الذي يفصل لكن ما شهده العالم من وقائع المحكمة يثبت العكس.. بداية عندما كان القاضي هادئاً ومنصفاً وغير متعجل أُقيل وعينوا بدلاً عنه قاضيا أشبه بجلاد وجزار يصرخ ويسب ويشتم، تتوفر فيه كل الصفات إلا صفة (القاضي)، إذاً أي دور يمكن أن يقوم به الدفاع عندما يكون الحَكَم هو الخصم... هذا القاضي (رؤوف رشيد عبد الرحمن) صرح قبل شهر ونصف من توليه المحكمة في برنامج على القناة الثانية الفرنسية شاهده الملايين يقول بالحرف (نحن لا نحاكم شخصاً أو زعيماً أو رئيساً نحن نحاكم فكراً ونهجاً وعقيدة).
إذاً لهذا القاضي موقف مسبق من نهج صدام حسين وفكره وعقيدته وبرأيي فإن هذا القاضي أتى ليحاكم تاريخ العراق ممثلاً في شخص الرئيس الراحل صدام حسين ... وحين تعرض برزان الحسن للضرب أمامه أنكر وطرد المحامية بشرى الخليل وصالح العرموطي ولهذا السبب انسحبنا من المحكمة.
* البعض اتهمكم أنكم تحاولون تسييس الأدلة لعدم توفر الأدلة لديكم؟
- هذا الاعتقاد لا معنى له ونذكّر الجميع بأن صدام حسين ليس صاحب (بسطة) هذا رئيس العراق أي أن صفته السياسية تعطي مسحة سياسية لهذه المحاكمة وقد حرصنا في هيئة الدفاع أن ننأى بدفاعنا ودفوعنا ولوائحنا عن كل ما هو سياسي... لكن التصريحات الكثيرة والمتلاحقة بدءاً من رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عبد العزيز الحكيم مروراً بالدكتور الجعفري وليث كبة وصولاً إلى أصغر مسؤول سياسي أو حزبي في العراق هي التي سيّست المحاكمة.عندما نقول إن حياتنا مهددة ولا يمكننا الوصول إلى محاكمة نتيجة للفوضى والقتل اليومي يقول القاضي رؤوف رشيد أنتم تهينون الشعب العراقي؟. برأيي هذه مهزلة.. بالعكس حتى مداخلات الرئيس صدام حسين قانونية عدا تدخل واحد سياسي وأعتقد كان ذلك التدخل من حقه عندما وجه نداء للشعب العراقي بعد تفجيرات مراقد الأئمة في سامرّاء حتى لا ينغمس العراقيون في الفتنة... نحن وموكلونا كنا أكثر الناس تمسكاً بالقانون وهم كانوا أكثر الناس بعداً عن القانون.
* ما طبيعة الحديث الذي كان يدور بينكم وبين الرئيس الراحل؟
- دعني أبدأ بالحديث عن جانب ربما لا يعرفه الآخرون عن الرئيس الراحل.. كان الراحل يتعامل مع المسألة بهدوء بالغ وثقة بالنفس وإيمان شديد ولديه يقين أن هذه المحاكمة كان مفترضاً أن تنصب للخونة الذين باعوا العراق وحولوه إلى مسرح للاقتتال والتشفي والانتقام ولم يكن مهموماً بنفسه على الإطلاق وكان همه وانشغاله الحال التي وصل إليها العراق بعد أن أصبح القتل على الهوية، وكان متواضعاً جداً في تعامله معنا ومستمعا جيدا ومطيلا للنقاش بشكل هادئ كريم النفس ولديه ثقافة قانونية أبهرنا بها.
* آخر مرة التقيت بها الرئيس الراحل؟
- في الـ 26-12-2006 قابلنا الرئيس ودام اللقاء حوالي ثلاث ساعات ونصف.. وكان هادئاً مكثراً للنكات واستمع إلينا حوالي ساعة ونصف في عرض قانوني عن آخر التطورات وقد كنا بصدد انتظار صدور قرار الهيئة التمييزية والرئيس في ذلك اللقاء لم يكن متفائلاً أو متشائماً وقال سلمت أمري إلى الله وهؤلاء حتى وإن اخذوا قراراً بنقض الحكم الذي صدر عن القاضي رؤوف فإن هذا القرار سياسي وإذا أيدوا القرار يبقى الأمر سياسياً... يعني أن العامل الذي يتحكم في قرار المحكمة لا علاقة له بالعدل والقانون بل سياسي بامتياز .
* هل ألمحتم للراحل من خلال أحاديثكم معه إلى تدخل دول إقليمية في الشؤون العراقية؟
- كان على دراية بالتدخل الإيراني لاسيما أنه في الفترة الأخيرة يسمع محطات الراديو ويقرأ بعض الصحف بشكل متأخر نسبياً ويطلع من خلالها على العصابات والمليشيات التي تحمل بصمة إيرانية.
* كيف تصف لنا شعوركم عند اللقاء بالرئيس الراحل؟
- في كل لقاء مع الرئيس يكون الموقف كبيرا هذا صدام حسين وبغض النظر عن موقفنا من سياسته وتاريخه كان له مكانة خاصة في نفوسنا كان مستمعا جيدا خلافا لما يقولون ودائماً كان يتحلى بالهدوء.وبعض الأحيان يحتد النقاش بيننا في فريق الدفاع أمامه ويحاول كل طرف منا أن تسير الأمور وفق رغبته، فيتدخل الراحل ويقول: لا يجب أن تتعبوا من الجدل والنقاش لأنه لا يمكننا الوصول إلى القرار الصائب إلا من خلال النقاش, ولم نلاحظ عليه مسحة حزن إلا بلقاء 17-7 إثر تفجير المرقدين وكان عنده خوف كبير من اشتعال حريق لا يستطيع أحد إطفاؤه ولهذا السبب أصر في المحكمة أن يوجه خطاب للشعب العراقي.
* هل حدثكم الراحل عن كيفية تلقيه خبر مقتل أولاده؟
- حدثنا الراحل أنه كان في مكان ناءٍ لا وجود فيه لراديو أو تلفزيون خلال فترة الاختفاء وجاء إليه شيخ العشيرة الذي يعرف بمكان تواجده وقال له لدي خبر مهم فأجاب الراحل ما هو الخبر؟ فقال: (عدي قتل) فأجابه: (عفية)، ثم قال: (قصي قتل) فقال له بالعامية العراقية: (هم عفية)، وأضاف: (ومصطفى قتل) حينها قال الراحل: الحمد لله أن أعطى الله صدام حسين ذرية يقاتلون ولا يستسلمون وأولادي ليسوا بأفضل من آلاف العراقيين الذين يستشهدون دفاعاً عن العراق.
* البعض يقول إن الرئيس كان ميالاً لسماع الطرائف السياسية؟
- كان يحب أن يسمع النكات السياسية لاسيما عن المتخاذلين في جو من المزاح لا التشفي وكان يفرح كثيراً حين يسمع أن معارضيه وبعض المُلاحَقين في عهده يقفون ضد الاحتلال.