Al Jazirah NewsPaper Thursday  15/03/2007 G Issue 12586
مقـالات
الخميس 25 صفر 1428   العدد  12586
موريس بوكاي
التأمل يستنهض الفطرة
د. عبدالمحسن بن عبدالله التويجري

حينما يجوع الإنسان ويحسّ بدواعيه سيجد ما يأكله وإن لم يكن كما يشتهي البعض، وإن عطش فالماء ليس بعيداً عنه، أما الجوع الروحي بما يشتمل عليه ويؤثر به فقد يحسّ به إنسان، ويبحث عن مصادر للإشباع، وآخر قد لا يحسّ به فيعيش حياته معتمداً على طبعه المكتسب دونما أثر للفطرة فيحيا وفق ما يشتهي، وكما يروق له، وفي كلتا الحالتين فللوعي دورٌ في ذلك. والتفكر بموضوعية فيما يتعلق بالجانب الروحي سيأتي بنتيجة تحددها محصلة التفكر نحو هدف محدد رصيده مفعول الإرادة، ومن الأمثلة على هذا الجرّاح الفرنسي (موريس بوكاي)، فبداعي الحاجة والطبع والفرص التي أتيحت له وساعدت سعيه وتأملاته، بدأ بدراسة متعمقة قارن من خلالها بين اليهودية والمسيحية فالإسلام، وهاجسه علوم العصر بهدف المقارنة فيما بينهم وجانب العلوم الحديثة، ومن الصدف التي أشرنا إليها أنه شارك كجرّاح في معالجة عطب أصاب مومياء الفرعون (منفتاح) وهو (فرعون موسى) كما عرف بفرعون الخروج، والمحصلة لهذا كله نجدها في كتابه القيّم، حيث رصد من خلال ما توصل إليه استنتاج يرى فيه أن القرآن الكريم أكد حقائق علمية بأفضل وأبلغ من بقية ما درس، وعبّر عن انبهاره بأمور جاء بها القرآن، واجتهد العلم الحديث في اكتشافها في العصر الحديث ومن ذلك: علم الأجنة، ونشأة الكون، والفلك، وكذلك الأرض وعلوم الحياة، بالإضافة إلى خلق الإنسان.. إلخ.

وعن مومياء (فرعون موسى) والتي يدرك مدى السنين التي مرت عليها محنطة وسليمة، وحين قارن ذلك بما جاء به القرآن الكريم في سورة يونس: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} «92» ولقد قطعت الدراسات الطبية استحالة بقاء جثة ذلك الفرعون في الماء طويلاً قبل تحنيطها، واستدل من ذلك على مدى الاتفاق بين ما ورد في (القرآن الكريم) والعلم الحديث، فقد تعرض (القرآن الكريم) لمصير جثمان (فرعون)، وأكدّ بقاءها وحفظها رغم غرقه كعبرة للأجيال، وهذا ما جاء في الآية الكريمة السابق ذكرها، كما أن (موريس بوكاي) قد ذكر أن البشرية وقت نزول (القرآن الكريم) لا تعرف شيئاً عن قيام قدماء المصريين بتحنيط الجثث، ومن خلال ما سبق فإن المقارنة مدعاة للإيمان وطريق إلى اليقين، وفي زيارة طبية إلى السعودية حرص على مناقشة كل ما يمكنه من الإلمام بما جاء في القرآن الكريم حول غرق فرعون (موسى) ثم بقاء بدنه سليماً كعبرة للأجيال من بعده، وهو الذي كان على دراية سابقة برواية (الكتاب المقدس) عن غرق (فرعون)، ومثار دهشته أن القرآن الكريم الذي قرر هذه الحقيقة التي لم تعرفها البشرية إلا في هذه القرون الأخيرة من خلال تطور الكشوفات الأثرية.

ومما استنتجه بقناعة وإيمان تأكيده أن الإسلام لم يصطدم بالعلم بل حرضَ عليه، ودعا للتأمل والبحث في أمور الكون والإنسان، كما أنه يدرك من خلال ما قال به في محاضرته من أن (القرآن الكريم) قبل كل شيء كتاب هداية، وما تعرض له حول الكون والإنسان يأتي وفق هذا السياق كدافع للإيمان وفق آيات عظيمة فيما خلق.

وحول نشأة الكون فقد استوقفته الآية {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}«30» سورة الأنبياء، ثم قارن ذلك بما جاء به العلم الحديث حيث وجد السبق فيما جاء به القرآن، وما أكده من معطيات العلم الحديث.

وتجدر الإشارة إلى أن تأليف الكتاب حول (القرآن الكريم، والإنجيل والتوراة) والعلم، وكذلك تفاصيل بحوثه ومقارنة ذلك ب(القرآن الكريم) تمّ قبل إسلامه، ولكنه خلال الفترة قد تعلم اللغة العربية، وأتذكر رسالة تلقيتها منه يعتذر من خلالها عن حضور المؤتمر الطبي السعودي الثامن الذي استضافه الحرس الوطني في عام (1983-1984)، وكنت بخط يده وباللغة العربية، وكان وقتها طريح الفراش في أحد مستشفيات باريس، وحين أسلم بعد ذلك فإنّ إسلامه تمّ بعد تمحيص اعتمد على رصيد من البحث، وربّما فهمٌ لآيات (القرآن الكريم)، ومن خلال ذلك أحسّ باليقين الذي امتلأت به نفسه اطمئناناً، واستقر به عقله، وربّما أن بعضاً من القلق الذي عانى منه كان اليقين طارداً له والذي كان دافعاً للسؤال والبحث والتأمل، ويتضح ذلك من خلال العديد من محاضراته في أكثر من مكان، ومع صفوة من العلماء مبشراً وداعياً للهداية التي منبعها روح القرآن الكريم مستعيناً بتجربته التي عانى فيها من الكثير المتمكن من استنتاجاتٍ سليمة كانت هي والفطرة السبيل إلى اليقين فعاش ما بقي من حياته ما بين مهنته كجرّاح، وما كان يبشّر به من خلال محاضراته.

إن هذه نبذة قصيرة عن الرجل والمراحل التي لم تفلت من يده، فبها اهتدى وسعى لهداية غيره.

***

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«6383» ثم أرسلها إلى الكود 82244


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد