ربما لا يتوقع أكثر الباحثين تفاؤلاً أن يجد متاحف منظمة وحقيقية في محافظة صغيرة مثل رفحاء!
نعم فرفحاء تزخر بإبداع يستحق وقفات ويستحق دعماً من الجهات المعنية، متاحف شخصية متنوعة، مقتنيات قديمة يعود تاريخها إلى حضارات ما قبل التاريخ، وللأسف يشتكي أصحابها من الإهمال وعدم الالتفات فالجامعات لا تصغي والهيئة العليا للسياحة تتأخر بل لا تمنح التراخيص ووكالة الآثار والمتاحف لا تستجيب، مناجم للأحجار الكريمة يعرفها الأهالي جيدا، وقطع نقود قديمة وغيرها الكثير مما يسيل له لعاب الباحثين عن الآثار والتراثيات والمتاحف.
متحف الحربي الجيولوجي
قاده حب الأثريات واقتناؤها، وحب الجيولوجيا إلى إنشاء أول متحف جيولوجي بمنطقة الحدود الشمالية وربما في المملكة (عسكري متقاعد) جاب منطقة الحدود الشمالية وزار كهوفها واكتشف أسرارها الجيولوجية في متحفه الشهير في منزله، وعن البدايات يقول الحربي: لم تسعفني الظروف لإنشاء متحف رسمي حيث لم يسمح لي بالترخيص كوني عسكريا، وبعد تقاعدي حالت ظروفي الخاصة والمادية من إنشاء متحف يجمع ما جمعته في السنوات الست الماضية ولقد وجه لي متحف عرعر الجديد الدعوة بناء على ما سمعوه عني ولم أزرهم إلى الآن ولكن زرت متحف الملك عبدالعزيز التاريخي بالرياض، وعن الأماكن التي يقصدها لجمع تراثياته يضيف: معظم ما عندي من منطقتنا الحدود الشمالية من رفحاء إلى سكاكا الجوف وأطراف الحرة وكذلك من كهوف الهبكة ومن منطقة الرعون، والحدود الشمالية عموما منطقة ذات طبيعة جيرية وهي ملتقى الحضارات القديمة والحديثة والتي قرأت عنها الكثير حيث قادتني هذه الهواية إلى القراءات في تخصص علم الأرض والاقتصاد لتطوير ثقافتي رغم أن مؤهلي الكفاءة المتوسطة أما عن محتويات متحفه فيقول خالد بن ساهج الحربي (48) سنة متزوج وأب ل5 أطفال
المتحف الجيولوجي يتكون من بلورات تعكس الضوء وحصلت عليها من الكهوف وهي مكونة من كربونات الكالسيوم والتي تنشأ من بخار الماء في أسقف الكهوف وهي عبارة عن معادن ذائبة شفافة اسمها العلمي أحجار الترافورتين ولدي عشرات الأحافير حصلت عليها من أماكن متنوعة من رفحاء وهناك أحجار المرو (الكوارتز) ولدي صخرة كبيرة عليها آثار قدم يمنى لرجل عملاق أرجح أنها تعود إلى عصور ما قبل الإسلام لكبر حجم القدم، كذلك احتفظ بالعديد من الأحجار الكريمة ومعظمها لا أعرف اسمه وأدعو المختصين لزيارة متحفي والتعرف إلى محتوياته!
كذلك يضم متحفي الشخصي أنواعاً عديدة من معدن البلور ومعروف باسم در النجف من بادية العراق والشام وكانت الثريات التي تزين القصور القديمة تصنع منه قبل اكتشاف الزجاج، ولدي أيضا معدن العقيق وهو من الأحجار الكريمة، ومعدن اليشب، والجمش، وكميات متنوعة من معادن أخرى.
وعن المقتنيات الأخرى في متحفه الخاص يقول الحربي: بالطبع زينت متحفي بالعديد من القطع الثمينة من أبرزها تمثال قديم حصلت عليه بطريقة شخصية لبوذا وهو من الأزورد الخالص، كما احتفظ بالعديد من القطع النقودية الذهبية والفضية وتعود 6 منها للعصر العثماني وهي من الفضة الخالصة ومضروبة في القسطنطينية عام 1187هـ وعام 1223هـ، و3 منها يعود إلى العصر العباسي وهي من الذهب وحالتها جيدة وتبدو عليها الخطوط واضحة، وهناك عملات أخرى تعود للعهد السومري وعملة صغير من عهد الملك سعود وعملة أخرى ذهبية حمراء اللون، ولدي أيضاً مسدس إنجليزي يعود إلى تاريخ 1916م وقد اشتريته وهو بحجم طويل على غرار مسدسات الكاوبوي في الأفلام الأمريكية، وأمتلك أيضا شبرية (خنجر) لهاني محيسن وهو صانع شبريات مشهور والجفير من الفضة الخالصة وهذه الشبرية اشتريتها أيضا. وعندي قدور نحاسية وصحون وأباريق للوضوء وأثريات متنوعة تعود إلى 300 سنة تقريبا للحضارات الإسلامية المتقدمة، أما أطرف ما لدي فهو مخطوطة يعود تاريخها إلى عهد الملك عبدالعزيز آل سعود (تقريبا) وهي عبارة عن صك شراء خيل أصيلة من 23 صفحة موقعة من 12 شيخا من سادات قبيلة عنزة الشهيرة في الجزيرة العربية لتوثيق هذه المبايعة وحصلت عليها من أحد الأصدقاء الذي يعلم ولعي بهذه الهواية.
أما صاحب متحف الجزيرة علي بن حسين بن هزاع الحسيني فيقول: منذ أكثر من 10 سنوات دفعني حب الأثريات إلى جمع محتويات متحفي الشخصي الخاص بتراث الآباء والأجداد في الجزيرة العربية وهو عبارة عن مقتنيات قديمة توارثناها من الآباء والأجداد وبعضها تلقيته هدية من الأصدقاء والبعض اشتريناه من المهتمين والأماكن التي تبيع التراثيات في المملكة ويضيف الحسيني (متقاعد من الحرس الوطني) وعمره 50 عاما: عرض على أحدهم شراء هذا المتحف ورفضت لأنني اعتبره أغلى ما أملك وهو هوايتي الوحيدة بعد التقاعد ولكنني على استعداد للتعاون مع الجهات التي ترغب في عرض محتوياته بشرط الحفاظ عليها وعلى ملكيتي وعلى حقوقي الأدبية ولم أتلق أية دعوة لعرض هذا المتحف باستثناء دعوة سابقة لعرضه ضمن معرض أقيم في مجمع الراشد بالخبر حينما كنت في الشرقية قبل التقاعد، وعن أغلى محتويات متحفه أكد الحسيني أن البنادق هي الأغلى حيث اشتراها بواسطة أحد الأصدقاء بمبلغ 3000 ريال وهي الآن أغلى بأضعاف لأنها نادرة، أما أثمن الأشياء التي توارثناها عن الآباء فهو المحجر وهو عبارة عن حاجز مصنوع من الوبر (وبر المغاتير من الإبل) كان يفصل بين قسم الرجال والنساء في بيوت الشعر القديمة وعمره أكثر من20 سنة وصنعوه أهلنا في السابق كعادة أهل البادية، ويستطرد الحسيني قائلاً:
أما عن المحتويات لهذا المتحف فيقول: في الساحة الخارجية لمنزلي توجد بئر مجهزة بمحتوياتها الأصلية وهي قديمة مثل المحالة والمقام والدلو وغيرها ومدفع تراثي قديم ومسامة وهي أعمدة كانت توضع عليها بيوت الشعر ويلعب بها الأطفال سابقا مثل المراجيح ويوجد أيضا رأس حداجة وهي من السدو ويوضع بها الشيح والنصي وتوضع على البعير والراكب يستخدمها للعدول (وعاء للطعام) وزينتها بصخور تجميلية من البيئة التي وجدت فيها، ولدي أيضا في المتحف الذي خصصت له ركنا مستقلا في المنزل يوجد رحى عمرها 40 سنة ويوجد حديد للفرس نسميه سابقا البلش ومعه ملحقات العنان واللجام والحذاة التي توضع في باطن القدم، ولدي سيف اشتريته من صاحب محل مقتنيات أثرية في الدمام ويعود عمره إلى100 عام وهو بحالة ممتازة، ومن ضمن المحتويات أيضا بندق يقال لها صبعية (أم إصبع) وعمرها150 سنة وهي ألمانية الصنع، وهناك أيضا الكردة وهي مثل السيف ولكنها غير مقوسة وهي من أدوات الحرب والقتال القديمة ومن وسائل الحرب والطعن لدي أيضا الشلفا وهي عبارة عن رماح حادة من حربتها، ومن الأدوات النادرة الزناد والصلبوخ وهما أداتان لإشعال النار سابقا حيث يقدح الزناد الحجر الصلبوخ وبينهما قطعة قماشية تسمى الوذيح ثم تشتعل القطعة، ويوجد في المتحف آلة حاسبة كانت تستخدم عند صرف الرواتب في عهد سابق في المملكة وهي كبيرة بحجم الآلة الكاتبة وهي قديمة ونادرة وكانت تستخدم لحساب رواتب الحرس الوطني قبل أكثر من 39 سنة. وهناك أدوات للطيور وبعضها معروف مثل المركابة والبرقع والشبكة وفخ قديم من الحديد ودربيل ومحزم بندق اثري ومحفظة للنقود مصنوعة من الجلد ومزينة بحجر الودع وهي تعلق في المنازل وحجمها كبير لتحتوي النقود الحجرية القديمة، أما أدوات الطعام القديمة فمن أبرزها المصخنة موظفي اليدوية والقدور ومصوط حديدي عمره 55 سنة ورثته من أهلي ومغاسل متنقلة وأباريق قديمة والخواء (وعاء معدني لشرب الماء) وقرب ماء وجراب لحفظ المقتنيات وصميل (وعاء من الجلد لحفظ اللبن والحليب) والمبرادة (وعاء خشبي لتريد القهوة بعد تشقيرها على النار) وهناك أيضا المحماسة والمنفاخ والصحفة (وهي لتقديم الطعام وعمرها حوالي50 سنة) وهناك الصاع (مكيال الطعام)، ومن الأشياء النادرة أيضا العظم والغليون والسبيل لتدخين التنباك، وعندي المقلاع وهو أداة لرمي الحجر الصغير لمسافات طويلة والصرار (يمنع الحوار من رضاع الناقة) وله اسم آخر وهو توداة وعندي عقال الجمل ومقص للغنم ويوجد موقد مجهز بقدر فيه رز التمن العراقي الأصلي الذي انقطع من الأسواق حاليا ولا يزال عندي وحوله الكير وهو أداة حديدية لنفخ النار وكذلك الشداد ومعنقة لحفظ الملابس ومجلات قديمة أبرزها مجلة المجتمع بتاريخ 1976م وتاريخ 1977م.
ويضيف الحسيني قائلا:
وأنا تعمدت أن اذكر هذه الأشياء باسمها الحقيقي ليتعرف عليها الجيل الحالي وليقدر قيمتها من يعرفها، أما أبرز الصور النادرة التي أعتز بها بالطبع فهي للملك عبدالعزيز آل سعود وللملك عبدالله (خادم الحرمين الشريفين) والملك فيصل.
متحف الخرفان المتنقل
منذ 3 سنوات وأنا اجمع محتوياته، واشتريت الكثير من مناطق الشرقية وحائل وجلبت الباقي من رفحاء بمعرفتي الخاصة، هكذا علق على البدايات صاحب المتحف عايد بن حميدان الخرفان الذي أكد أن متحفه أخذ طابع المتنقل، لأن منزله مستأجر وهو ينوي في المستقبل حال امتلاكه منزلا إيجاد مكان ثابت للمتحف مشيرا إلى أن أغلى قطعة لديه هي الدلال البغدادية القديمة التي اندثرت واشتراها هو بـ1500ريال، كما أن لديه مقتنيات نادرة قلما توجد في الوقت الحالي مثل الصاع النحاسي القديم (ذو اللون الأحمر المائل إلى الكدرة) وكذلك عندي من النوادر أيضا الساحة والشف والمغانق وهي أدوات لم يبق لها أثر إلا عند المهتمين، وطالب الخرفان بإيجاد متحف في كل محافظة للمحافظة على التراث مؤكدا استعداده التام لعرض محتوياته في أي متحف حكومي مشيرا إلى أن هذا المتحف هو هوايته التي يقضي بها وقت فراغه وهو ينقل أدواته من مكان لآخر ويستمتع بذلك جدا وحول المتحف إلى مكان للجلوس إمعانا في الهواية!
متحف الجوهرة
مدير مكتبة رفحاء العامة وأحد المهتمين بحفظ تراث المحافظة الأستاذ شويش المخيمر أنشأ متحفا سماه متحف الجوهرة الشعبي وخصص له مكانا مستقلا في منزله قال: زارني وفد من مركز الملك عبدالعزيز التاريخي وشاهدوا هذا المتحف وتم توثيقه ضمن مشروع المركز لتوثيق المصادر التاريخية للمملكة، وهذا المتحف اختمرت فكرته في رأسي إبان دراستي التاريخ في جامعة الملك سعود بالرياض حيث ساعدني التخصص على تتبع آثار وتراث هذا البلد الزاخر بكل مفيد وغريب، وأتاحت لنا الدراسة الجامعية زيارة أكاديمية منظمة لعدد من المواقع من أهمها مدائن صالح والعلا والجوف وقلعة كاف في القريات ومن هنا بدأت الفكرة وبعد إنشاء هذا المتحف الذي أكمل عامه الأول خاطبت الهيئة العليا للسياحة لإصدار ترخيص بذلك ونحن ما زلنا ننتظر الرد بعد أن تم تحويل طلبي إلى وكالة الآثار والمتاحف، وعن ديكور متحفه قال المخيمر:
حاولت أن أجعل الديكور متناسبا مع الفكرة حيث صممته من الطين والتبن ليبدو كبيوت الطين القديمة وجعلت السقف من سعف النخيل ووظفت موجودات البيئة أما الإضاءة فهي عبارة عن سرج قديمة معلقة ولكن بالطبع لا غنى عن الكهرباء، أما عن أول المقتنيات التي حصل عليها فيقول: أولها بسط ومفارش قديمة حصلت على معظمها من الأقارب الذين زودوني بكل ما لديهم وخصوصا أهالي البادية منهم ولدي قطيفة نادرة جدا كما حصلت على بشت قديم يسمونه في السابق بشت السعدونية وهو من الوبر ويصنع في الشام والعراق وعندي شداد لجمل عمره 100 عام وهو مصنوع بجبة في منطقة حائل ولا يزال محافظا على هيئته!
أرض لمتحف المحافظة
(الجزيرة) حملت تساؤلات المهتمين بالتراث والمتاحف إلى مشرف الآثار بمحافظة رفحاء الأستاذ مطر بن عايد العنزي الذي أكد على أهمية الآثار والمتاحف في حفظ التراث والتعريف بمعطيات الثقافة المحلية والاعتزاز بها في ظل المتغيرات والغزو الثقافي الذي يكتنف الكرة الأرضية ويأخذ أشكالا ثقافية متباينة مثل العولمة فالثقافة لا تغزو في النهاية إلا ثقافة مثلها، من هذا المنطلق حرصت وكالة الآثار والمتاحف على المحافظة على هذه المبادرات الشخصية من الأهالي والمتمثلة بالمتاحف الخاصة أو الشخصية وهي تشجعها وتدعمها عبر قنوات متعددة، وفيما يتعلق بمتحف رفحاء فقد تم تخصيص ارض له منذ سنتين بتوجيه ومتابعة من سمو سيدي أمير منطقة الحدود الشمالية ورعاية ومتابعة المشرف العام على الآثار في المنطقة الأستاذ عبدالرحمن الروساء المدير العام للتربية والتعليم بالمنطقة ونحن نناشد المسؤولين إيجاد مبنى لهذا المتحف ونطمح أن يرى النور قريبا لا سيما أن المتاحف الخاصة في منازل الأهالي تكفي لإيجاد متحف متكامل يكون نواة للتطوير والإضافة انطلاقا من أهمية المحافظة والتي تزخر بالآثار المهمة والمواقع الأثرية التي يقصدها عشاق الآثار من كل مكان، وتكون مقصدا سياحيا في المستقبل القريب.