كتبتُ في الجزء الأول عن الرؤية الفنية التي يتمتع بها هجاج الوسوس في البناء الداخلي والخارجي لنصوصه وتمكنه الواضح من أدواته الفنية وها نحن في هذا الجزء نُكمل تلك الرؤية من خلال اللغة الشعرية لدى هجاج فهي تمتاز بالجمال والبعد عن الغرابة والوحشية فتجدها مستقاة من لغة الحياة اليومية حاملة بناءات جديدة بصورها الملتقطة من تفاصيل حياته اليومية المعايش لها سابر أغوار الذات بكل عمق ليفصح عما يختلج في ذاته بكل صدق وواقعية، فالشاعر أيضاً وكما يصفه الناقد جورج سانتيانا (صانع للكلمات أساساً). فنجد في مثل هذا النص جملاً ومعاني تنساب عذوبة ورقة في أخيلة جميلة ووصف دقيق أنيق فتجد اللغة تأتي عفوية باسقة وارفة دونما تصنع أو تكلف يقول في أحد نصوصه:
|
يا أطيب ما لذ بكل هالدنيا.. ويا أشهى ما طاب
|
يا أحلى من الملح ان تدرج من عاديك.. ل .. أجودك
|
يا أصدق حنين.. من المشيب.. لرجعة أيام الشباب
|
اليال اشتعل شيب النوايا البيض.. في ظن اسودك
|
يا أسمى من العفو عند المقدرة.. وألطف عتاب
|
من الخجل.. على ملامح وجنتيك.. ان وردك
|
يا أبسط.. من شرود الذهن.. لحظة تأمل وارتقاب
|
وأصعب.. من مجرد تخيّل.. دمع عينك.. ونكدك
|
كما نلاحظ في البيتين التاليين طريقته السلسة في انتقاء المفردات المناسبة ليضعها في المكان المناسب لاتمام المعنى المراد والهدف المنشود كذلك استخدامه الجميل للطباق في قوله: (ما ينحني شامخ. ولا تعتدل عرج).
|
ما هو ضروري تشرح الموقف الحرج.. خل الزمان.. يداوي الجرح خله
|
ما ينحني شامخ.. ولا تعتدل عرج.. والرجل ما يقسى على قلب خله
|
فنجد المشهد الشعري في نصوص هجاج مليئاً ببلاغة المعنى وعمق الصور الغنية بالرموز والدلالات مضيفاً إلى النص بعداً آخر ورؤية فنية مكوناً له طريقته الخاصة برسمها وبدلالات مستمدة من الذات والطبيعة فنشاهدها صوراً تجريدية يتراسل فيها المادي والمعنوي يقول في أحد نصوصه:
|
جيت.. ولقيت.. المسك يتكدس.. ويكتظ الضباب
|
تتفلسف الفيّه على رمشك.. وتسجد ل.. أثمدك
|
وقفت. وأقبل لك سنا في ليل نون العين راب
|
تفرد ضلوعك للحياه.. وتفتق أعناق مهدك
|
ويقول في تصوير الحالة الشعورية المتوغلة بالأسى والحزن المتوقدة بالمشاعر والأحاسيس:
|
والعمر رحلة روح.. والدرب مجهول
|
والموق غيم.. ومحجر العين كاسك
|
وأنا غريب ديار.. وحمولي حمول
|
ما أقوى زعلك.. ودمعتك.. وانتكاسك
|
كذلك تتسم الصورة الشعرية عند هجاج في تكويناتها وملامحها بالترابط والعلاقة المنسجمة مع الرؤية العامة للنص دون افتعال أو غموض مستغلق يعوق التواصل مع نصه أو يربك القارئ ويشتته فتجد قصائده مشحونة بأحاسيس رومانسية مفعمة بالبوح الدافئ والتوهج العاطفي فلنتأمل ذلك في قوله:
|
كن الحرير.. ان غاص في مضيومه
|
غريق.. ويدين النجاه تهابه!
|
وكذلك في هذا النص حيث المفردة العذبة والصورة الحية بإعاز منه لخلق نوعٍ من التجسيد الحي للمعاني وحركة داخلية تغري الذائقة وتسمو بها:
|
وما دام الأرض اليا ظمت.. ترجي مراويح السحاب
|
عيون قلبي.. من قحط! تخيل برقك ورعدك!
|
ومن السمات البارزة في نصوصه الصورة الشعرية فنجدها معبرة ومكتنزة بالطاقة والكثافة الرمزية تضج بالحركة الداخلية دونما تأثير في البناء العام للنص فتجدها مكتظة بالسردية الجميلة والترابط التام بين الصور والمقدرة العالية في تتبع أدق التفاصيل وأرق الألفاظ وأصدق العبارات:
|
يركض نهاره.. فيه.. ركض.. همومه..
|
وإلى استجن الليل.. لاح أحبابه
|
فتجد قدرته الإبداعية في تصوير تلك اللحظة والتشخيص الجميل للصورة التي تحتويه مثل (يركض نهاره).. ولهذه الصورة تجسيد واضح لذلك الهم والغم الذي انتابه في حصار طال أمده لحصون آماله وسور أحلامه:
|
أعيش بالدنيا ملك.. حتى جيوش الاكتئاب.. هدت حصوني.. أسرفت في قتل امالي بسندك
|
ونلاحظ في هذا البيت والبيت السابق تكرار لفظ (ملك) حيث الأول من حيث المعيشة والثانية بتصوير حالة ذلك الملك الذي انهزم في معركة كدلالة قوية على العزة والانفة والصبر أمام الظروف التي تحل به من (غربة، هم، ورحيل، خيانة، وحدة) إلا أن الثقة بالنفس والطموح يسمو به عن الانهزام والتقهقر أمام تلك المحن وما يلامس الذات ويحز بالنفس فنتأمل هذه الصورة الشعرية وما تحمله من أسى وأمل:
|
وقفة ملك.. بجيوشه المهزومه.. قبل الرحيل.. بروحه المنصابه
|
تنزف جحافل جيشه.. المكظومه.. الحظ خانه.. والزمن ضحّى به
|
وفي هذا البيت يتفرد الشاعر هجاج بذلك الحس الواقعي والخيالي لسرد لغته الشعرية في توظيف جميل ورسم بالكلمات لحالته الشعورية وذاته المتشبثة بالحلم ومترقبة للأمل:
|
العشرة اللي شح وأشباح تفكير
|
خلت لي بوجه المقابيل شامه
|
ومن خلال هذه الصورة التي رسمها لنا بدلالاتها وإيماءاتها نتعرف على أبعادها من خلال الخيال الخصب ضمن رؤية شعرية دقيقة عميقة يتمتع بها هجاج وقدرته الإبداعية في استخدام المحسنات البديعية حيث استخدم الجناس الناقص في قوله: شح وأشباح كذلك نلاحظ قدرته على اقتناص اللقطات التصويرية في منتهى الدقة والجمال والحيوية (خلت لي بوجه المقابيل شامه)
|
يدهشنا هجاج بتفجير اللغة الشعرية للتشظي صور حاملة معها دلالاتها الإنسانية الخالدة ورؤيته المعشوشبة بالرؤية المكتنزة هندسةً وإبداعاً.
|
يبست أسئلتي.. وصوتي مات مع مولد صدائي.. ليلة الحلم انتحر.. والضوء فلسفّه انصهاره كان حلم أكبر من الحظ.. وأرحب من مدائي.. وأصدق من الطهر.. في غيث السحاب من الطهارة لو قتل ياسه رجاي.. وكفنّ الود بعدائي.. ما عطت طيفه يمين عيون مغليه.. ليساره لذكريات لغة خاصة ورونق آخر حيث الماضي الحاضر بقلب لا ينسى الضفة الثانية وما تحمله في حقولها وتربتها من سنابل تنتظر الغيم وتبتهج للديم:
|
اذكريني لاغفى ليل المدينه
|
اذكريني.. لا صحى صبح القرايا
|
اذكريني.. كل عطرٍ تشترينه
|
اذكريني.. كل ما تغار المرايا
|
ومن خلال هذه القراءة الانطباعية لنصوص هجاج الوسوس لمسنا حرارة وجدانية شفافة تنحرف بالسرد عن تصويراته الواقعية نحو أفق إبداعي بتخيّل بارع فارع.. وهذا بمجمله يدل على رؤية فلسفية وبعد فكري يمتلكها هجاج ضمن فضائه الثقافي والاستنباطي الذي يتميز به من المشاع والأحاسيس لتوصيل الحالة النفسية والذاتية التي تدور في عامله السرمدي الخاص.. فكان الوعي الشعري الراقي عند هجاج استطاع أن يحوله إلى قيمة وجودية حيث الإحساس المتنامي بالمواجع فنلاحظ امتزاج الذات مع فضائها الرحب في تحليق رائع فني ونشوة إبداعية جميلة.
|
إبراهيم الشتوي |
|