Al Jazirah NewsPaper Sunday  18/03/2007 G Issue 12589
وَرّاق الجزيرة
الأحد 28 صفر 1428   العدد  12589
أنت مع الكرم أم الشجاعة ؟
يوسف بن محمد العتيق

لم أجد صفة تناولتها أقلام الكتاب وأحاديث الرواة وقصائد الشعراء كصفة الكرم والجود والسخاء، فهذه الصفة - أو الصفات - (عند من يفرق بين الكرم والجود والسخاء) لها الحضور الأكبر والأكثر في المدونات التراثية من تواريخ وكتب أدب وغيرها، كما أن لها الحضور نفسه في أحاديث المعاصرين وكتاباتهم وقصائدهم، والكرم كما في المثل الدارج (يمسح كل العيوب)، ولو وضعنا مقارنة في أي الشخصيتين التاريخيتين أكثر شعبية: عنترة بن شداد أم حاتم الطائي؟ لكان الجواب لصالح حاتم الطائي في تقديري.

وأبناء هذا الوطن المعطاء يرون في الكرم صفة استثنائية، وفي الوقت نفسه يجد البخيل إقصاء دينياً واجتماعياً مستحقاً، ولا تجد الإقصاء بالحجم نفسه في حق الجبان أو الموصوف بالجبن مع أن الجبن صفة ذميمة من دون شك.

وقد حاولت في بعض الرحلات التي أقوم بها بمفردي أو مع زملائي في الوراق أن أسأل عدة أسئلة في موضوع حقيقة الكرم: هل هو وراثة؟ أم اكتساب؟ أم صفة تأتي للإنسان (رغم أنفه!) لا دخل لها بها يدفع الضريبة لها؟!

سألت في هذا الموضع في أماكن كثيرة في أكثر من بقعة من هذا الوطن الغالي، إذ سألت في حائل عن هذا الموضوع، وسألت في وادي الدواسر وسدير والقصيم والدلم والخرج وغيرها كثير.

منهم من قال: إن الكرم صفة يكتسبها الشخص لنفسه من خلال حذره من الوقوع في البخل، فالكرم لدى صاحبنا هذا اكتساباً، وآخرون يرون أن البيئة لها دور في تشكيل هذه الصفة.. فالطفل الذي يولد بحائل أو وادي الدواسر يرضع الكرم مع حليب أمه والترحيب بالضيف، فالبيئة والوراثة لها دور عند هؤلاء، وذكرت الوادي وحائل على سبيل المثال ولا يعني ذلك أنهما اختصتا بهذه الصفة.

وآخرون يرون الكرم صفة تقذف في قلب الإنسان وتشكل كل صفاته الأخرى، وقد يكون بعض الكرام من أصحاب هذه الصفة ممن تكررت لديه المآزق والديون بسبب كرمه، لكن الكرم يجري في دمه ولا يستطيع دفعه أو تخفيفه.

وهناك من يرى - وكاتب هذه الأسطر ممن يرى هذا الرأي - أن الكرم قد يكون في كل ما سبقك لكن تعريفه الأبرز (الفرح بالبذل)، فهناك من يدفع أموالاً طائلة، لكنه لا يعد كريماً؛ لأنك لا تلمس سروره بذلك بل يرى في هذه المصاريف واجباً اجتماعياً، وهناك من يقدم لك شيئاً يسيراً، وتجد أسارير وجهه منطلقة والفرحة لا تسعه بهذا الضيف أو ذاك المستفيد منه، فذاك الكريم.

وقد قرأت وسمعت عن بعض من يعقد مقارنة بين الكرم والشجاعة، وأجد في أكثر الأحيان الترشيحات والأقوال تتجه لصالح الكرم؛ لأنه بحسب هذه المصادر الشجاع أثره محدود وفي وقت محدود، لكن الكرم أثره كبير ووقته غير محدود، كذا قيل.

وعموماً يندر أن يكون الشجاع بخيلاً، أو الكريم جباناً؛ لأن صفات الكمال في النفس البشرية تدل بعضها على بعض.

وعموماً كل ما تقدم أعلاه، وما سيأتي في الأسطر القادمة هو لمناقشة قضية وردت في كتب التراث، ولها ذيول في عصرنا الحاضر، وأردت أن أُعمِل الفكر فيها والقارئ العزيز لما للكرم من أثر كبير في أكثر من مجال، مع التذكير بأن الكرم له صور كثيرة لا تقف عند باب الكرم في الأكل، وإن كان الكرم من أبرز الصور، إلا أن هناك كرماً في الشفاعة والوجاهة، وكرماً آخر عند الباحث والمثقف حين ينشر المعلومة والوثيقة، وبعضهم يرى أن أعظم الجود الجود بالعلم.وعلى ذكر الجبن والشجاعة لعلي أختم مقالتي هذه بقصة طريفة في باب الشجاعة والجبن.. تقول هذه القصة: إن أحد القادة جبُن في المعركة وانسحب، مما أدى إلى هزيمته في تلك المعركة، فوجه إليه الخليفة نقداً لاذعاً أمام الجميع بعد أن عاد من أرض المعركة، فاستغل بعض الحضور من منافسي هذا القائد، وبدأ يكرر كلمة (ذمه الخليفة)، فقال هذا القائد: يذمني الخليفة وأنا حي أحب إليَّ من أن يمدحني وأنا ميت!!

ولا يفهم من هذه القصة أو المقال برمته تهويناً من شأن الجبن، بل ما ذكر مقارنة طرحت، وتطرح كثيراً بين المتحدين وعند الكتاب والمهتمين.

***

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMSتبدأ برقم الكاتب«6288» ثم أرسلها إلى الكود 82244

للتواصل: فاكس: 2092858

Tyty88@gawab.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد