بعد مشاركتي في الندوة العلمية لتاريخ الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود بالرياض 5 - 7 من ذي القعدة 1428ه الموافق 26 - 28 نوفمبر 2006م ممثلا مكتبي لتوثيق الثقافة والتراث - اليمن - حضرموت؛ جذبتني تلك الصروح الثقافية المتألقة بالرياض - نضر اللهُ صفاها. |
فقضيت أياما ما أسعدها من أيام، حيث أمضيتها مع أناس من أطيب ما عرفنا قلوبا وخُلقا ودينا.. ولا تسل عن أهم تلك الصروح العلمية التي كان لها أعظم الأثر في نفسي وفي نفس كُلِّ مُحبٍّ لأمجاد وتراث أمته العربية والإسلامية.. ألا وهي (مكتبة الملك فهد بن عبدالعزيز طيب الله ثراه). |
تلك المكتبة الشامخة وكأنها النجم الهادي، المكتبة الفريدة النموذجية التي جمعت التراث والأصالة والحداثة بأرقى المستويات وأحدث الخدمات. |
وكان أهم ما وقع عليه نظري فيها تلك الوثائق الخطية النادرة والإصدارات المتنوعة. |
وبهذه المناسبة أحببت أن أسلط الأضواء على وثيقة تثبت اهتمام جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود - طيب الله ثراه - ببلاد حضرموت أرضا وشعبا ورجالا؛ إذ لم يأتِ هذا الاهتمام من فراغ؛ فقد عرف جلالته تاريخ ارتباط بلاده ببلاد حضرموت الموغل في القِدم، مستمرا مزدهرا مؤثرا متأثرا، أي منذ أقوام عاد الأولى والنبي هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الذي تنتهي نسبته إليه، وأقوام العماليق بمكة المكرمة وأقوام ثمود والنبي صالح بالحِجر. ثم الملك الضليل امرئ القيس الكندي الذي قضى شطرا من حياته في منطقة حائل كما قال شعرا: |
تبيت لبوني بالقُريَّة أُمُّناً
|
وأسرحها غِبّا بأكناف (حائل)
|
كما قضى شطرا من حياته ببلدان حضرموت (عندل ودمّون)، كما قال شعرا: |
كأني لم ألهو ب(دمّون) ليلةً
|
ولم أشهد الغارات يوما بعندَل
|
وأما بعد انبلاج نور الإسلام فيما تضيق عنه السطور حيث ولى النبي محمد عليه الصلاة والسلام (العلاء ابن الحضرمي) في السنة السادسة الهجرية على المنطقة الشرقية وبنى بها مسجد (جواثا) أول مسجد أقيمت فيه صلاة الجمعة خارج المسجد النبوي، ناهيك عن اتفاق أسماء مدن بالبلدين مثل منتجع حريضة على ساحل البحر الأحمر بالمملكة وبلدة حريضة عاصمة وادي دوعن بحضرموت، وكذلك اتفاق أسماء في الفن المعماري الطيني والملابس والعادات والتقاليد والأمثال الشعبية وغير ذلك. |
ولأن التاريخ يعشق الرجال فجلالة الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - من صُنّاع التاريخ الحديث لتوحيده الجزيرة العربية، وأيضا معالجته واقعها بفَهْم واضح للحقائق، فسَجّل التاريخ اسمه على أنصع صفحاته، كما أذعنت له بريطانيا ومشت إليه معترفة حاكما مستقلا بالبلاد. وأما حنكته السياسية فيكاد ينطبق عليه قول المتنبي: |
نفت التوهُّمَ عنه حدةُ ذهنه |
فقضى على غيب الأمور تكهُّنا |
هذا، وقد أدرك جلالته - وهو خير من يدرك - أطماع الاستعمار البريطاني في بلاد حضرموت فأرسل مبعوثه عبدالله فيلبي عام 1355 - 1936م في رحلة برية صحراوية عبر رمال وكثبان الربع الخالي في سيارة خاصة لازلنا نحتفظ بها في سيؤن بأحد المتاحف الخاصة، حيث وصل عليها عبدالله فيلبي إلى سيؤن فرمى عصفورين بحجر واحد: اكتشاف وتمهيد طريق صحراوي بين البلدين من جهة، ونصح سلطان حضرموت وأهلها للحيلولة دون بسط بريطانيا حمايتها على حضرموت. غير أن ظروف الحرب العالمية الأولى أسقطت حضرموت لقمة سائغة لبريطانيا. |
وكنت أذكر قدوم عبدالله فيلبي إلى سيؤن وزيارته قصر السلطان الكثيري، حيث كنت طالباً صغيراً مع أمراء آل كثير في جناح خاص لتعليم أمراء آل كثير وزملائهم ومنهم السلطان حسين بن علي الكثيري آخر سلاطين آل كثير المتوفى بجدة 1388هـ. |
وها هو فيلبي يسجل خواطره مع قدومه إلى سيؤن. يقول في كتابه (ودخلنا المدينة سيؤن عن طريق بوابة متواضعة في حائطها الغربي، حيث طرقاتها الضيقة الملتوية لم تصمم لحركات السيارات، كما توجد جمهرة من أولاد صغار تجعل التقدم فيها بطيئا. خرجنا في الحال إلى فضاء واسع في الجانب الشرقي من المدينة حيث يوجد قصر السلطان العظيم حسب تقديري؛ فهو المظهر المعماري الرئيسي لحضرموت. |
وفي مساء اليوم نفسه أصطحبني السيد أبوبكر شيخ الكاف في سيارته لزيارة السلطان علي بن منصور الكثيري، وفي منزله الفخم ومرة أخرى أجد نفسي مضطرا لتكرار شكري وتقديري للسادة آل الكاف ومواطني حضرموت عامة، وقد كان كرمهم الذي طوقوني به تجربة شخصية ثرية ما كنت استبدلها بشيء آخر، وهذا أمر مثير للدهشة والاستغراب حتى على نطاق الجزيرة العربية نفسها)(1). |
وبعد انتهاء عبدالله فيلبي من زيارته لبلدان حضرموت ولقائه بسلطانها علي بن منصور الكثيري بعث سلطانها المذكور بهذه الرسالة المحررة غرة رجب 1355هـ الموافق 1936م إلى جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، وها نحن نعطي لمحة وصفية لهذه الرسالة المهمة، وهي من ضمن رسائل أخرى تبودلت بين الجهات ذات العلاقة. ويوجد بمكتبي بعض منها:أولاً: تقع هذه الرسالة في ورق خاص حجم (فولسكاب). |
ثانياً: على طرة هذه الرسالة طغرائية جميلة لطيفة في شكل هلالي يعلوه سيفان ووضعت النجمة الخماسية بين مقوسين. |
ثالثاً: كتب عليها بخط ديواني جميل ومطعم بلون أخضر فاتح في نصف دائرة سفلى هكذا (علي بن المنصور الكثيري)، وكتب في نصف دائرة صغيرة عليها هكذا (سلطان حضرموت)، وبقيت هذه الطغرائية مستخدمة علامة وشعارا بقية سلاطين آل كثير بحضرموت بوضع اسم كل منهم بعد وفاة من سبقه عليها. بعد السلطان علي بن المنصور وفترة حكمه من 1347 - 1357 جعفر بن المنصور من 1357 - 1369هـ ثم حسين بن علي بن المنصور من 1369 - 1387هـ، وهو آخر سلاطين الدولة الكثيرية. كما كتب أسفل الطغرائية وبحروف لاتينية اسم السلطان (علي بن منصور الكثيري) بشكل جمالي وبحروف متصلة. أما اسم سيؤن حضرموت فكتب بحروف لاتينية عادية متقطعة. ورقم توثيقها هو: 258 - 1355 = 258 - 193G |
ولعله يتوجب علينا الآن كتابة الوثيقة بحروف مطبعية واضحة ولاسيما أن ناسخها وهو الشيخ عمر عبود الدقيل كان في ابتداء مزاولته النساخة لم يكن متمكنا وقتها من مصطلحات الإملاء، مثالا لذلك أنه كتب كلمة (هناء) هكذا (هنى) في السطر الرابع؛ لذا لا يسعا إلا أن نقدم لكم صورة الرسالة بالملاحق مكتوبة في أصل لهذا البحث المتواضع، ولعلها خير ما نختم به بحثنا عن وثيقة تاريخية تثبت العلاقة الحميمة بين المملكة العربية السعودية والسلطنة الكثيرية الحضرمية. وها هو نص الوثيقة: |
الحمد لله وهو المستعان وعليه التكلان: |
من سيؤن في غرة شهر رجب سنة 1355 |
حضرة صاحب العظمة جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود أدام الله عزه وبعد: فإني أهدي لجنابكم العالي سلاما عاطرا وتحية مباركة عربية، وأتمنى لكم صحة جيدة وسعادة وهناء، وأشعركم بأن الشيخ المحترم عبدالله فيلبي قد وصل إلينا من الدرب الذي نتمنى تعبيده بسعادتكم، وقد امتزج بنا وعلم بعض أحوال قطرنا، وهو خابركم شفاهيا. وأسأل الله أن يأخذ بيدكم إلى ما فيه خير للجزيرة وأهلها وأن يجمعنا وإياكم على خير. وفي الختام تقبلوا فائق الاحترام. |
|
* مكتب توثيق الثقافة والتراث |
* سيؤن - حضرموت - اليمن ص.ب: 2986 |
(1) انظر كتاب (نبأ سبأ - رحلة في جنوب الجزيرة العربية) من تأليف هاري سانت جون فيلبي - عبدالله فيلبي من 220 - 358 - 359)، ورسائل: بين علي بن صلاح القعيطي وسلاطين آل كثير موثقة بمكتب جعفر السقاق سيؤن حضرموت ص.ب: 9286 ت: 404194 |
|