لقد حار الكثيرون في تعريف (الكبر) أي (التكبر) على الناس.. والكبر هو صفة من صفات الله تعالى لا يجوز أن تكون لأحد من خلقه وهي كلمة آتية من (الكبر) أو (الكبير).. وأصبح الناس في وقتنا الحالي يعتبرون أي شخص يتكلم بطريقة معينة أو يمشي بطريقة معينة (متكبراً) فإذا قال (أحدهم) إن فلاناً يتكلم من (طرف خشمه) أو (يناظر بربع عين) كل ردد وراءه نعم لاحظت ذلك.. فلان فيه (كبر) وفلان (شايف رويحته) وفلان (نافش ريشه) اختلط هذا المفهوم لدى الكثيرين وأصبح مفهومه في الظاهر فقط.. حتى وإن كانت خلقة فلان أن مشيته هكذا فإنه يوصم بالتكبر أو المتغطرس.. هذا المفهوم ربما هو المفهوم المتداول بين الناس وهذا لاشك أنه فهم سطحي أو أن يكون لإسقاط التهم بسبب شخصي، فإذا كان هناك مسؤول عادل ونزيه ويطبق الأنظمة العادلة على الجميع وجاء إليه أحدهم يريد الشفاعة أو الوساطة وتقديمه على الآخرين وقابل ذلك بعدم القبول وُصم هذا بأنه (ما فيه خير) أو أنه (متكبر) لا يرى الآخرين إلا مثل (البقَّة) أو البعوضة.. وهذا هو الشيء الملاحظ والمتعارف عليه عند الكثيرين الذين يحاولون إسقاط ما بداخلهم على الآخرين بهذا الشكل.. إن المراءاة والمباهاة سواء كانت بالعناد والمكابرة أو بالاحتقار هي نوع من الكبر الذي حذَّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقد حدد رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه الكبر تحديداً دقيقاً قد يعاكس المفهوم المتوارث لدى الناس ومقاييسهم التي يقيسون بها الكبر، كل هذه المقاييس التي يطلقها الناس في وقتنا الحالي هي مقاييس غير دقيقة وقد تكون بناءً على سماع الكلام من الآخرين فيقولون لك عن فلان (يقولون إنه متكبر) وهذا بنى موقفه بناء على رأي شخص من فلان أو حقداً عليه، ولكن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وهو الذي أوتي جوامع الكلم قد فصَّل هذا بما لا يدع مجالاً للخلط أو الفهم الخاطئ للآخرين.. أن (الفهم الخاطئ) للآخرين قد أورث كثيراً من المشاكل.. أفراداً، هذا الحديث الذي ورد في الصحيح (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كبر) قيل يا رسول الله (الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً فمن الكبر ذلك؟ فقال لا: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس). رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم حدد الكبر بكلمتين شاملتين هما أساس (الكبر) وأبعد ذلك المفهوم المتعارف عليه وهو أن الكبر في (اللّباس) ولو لم يوضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الخلط لظلَّ إلى يومنا هذا، كثير من الناس إذا رأى شخصاً يلبس ثوباً جديداً لامعاً ونعلاً حسناً (كنادر راقية) قال هذا: متكبر، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان دقيقاً في تحديده وفي تحذيره لقد قال: (بطر الحق وغمط الناس).
بطر الحق: هذه الكلمة تشمل جوانب متعددة وكثيرة سواء في حياتنا العملية أو الدنيوية ومعنى بطر الحق (جحده ودفعه) أي إنكاره فمن كان ثوبه بالياً ونعله بالياً ولكن به نوع من البطر وهو إنكار الحق المتعارف عليه فهو (متكبر) ولا يشترط لذلك أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً.. إن جحد الحق وإنكاره دليل على خبث طويَّة الجاحد وقلة إيمانه.. فمتى كان الشخص مؤمناً بالله ممتثلاً لأوامره فقد أصبح طيباً حسن الأخلاق حسن المعشر.. أما إذا كان بعيداً عن الإيمان فقد أصبح البطر صفته والجحود عنوانه، انظروا إلى هؤلاء في كثير من النواحي والأماكن ما أكثرهم، تناقشه في موضوع ما ولكنه يجحد الحقيقة كبراً وغطرسة حتى ولو كانت مثل عين الشمس.. مثله مثل الرجل الذي تقول له: انظر هذه الشمس فيقول لك لا هذه ليست الشمس، والحق أوضح من الشمس نفسها والحقيقة لا يمكن إخفاؤها فهي واضحة أمام العاقل المفكر وأمام الناس كلهم ولكن مثل هذا وأمثاله أناس أعميت بصائرهم فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم وحتى نكون أكثر وضوحاً سأسوق لكم بعض الأمثلة من حياتنا اليومية تمثل (البطر) بأسوأ صوره:
1- التعامل بين الرئيس والمرؤوس فبعض الرؤساء يتعامل مع مرؤوسيه بناء على سلطته المطلقة فحين يتعامل معهم بالحق والعدل بالتساوي فعند ذلك يكون هذا من باب إحقاق الحق والإصلاح للمصلحة العامة، ولكن الشيء الخطير هو حين يتعامل معهم بناءً على هواه فتجد موظفاً جاداً مخلصاً منتجاً ومبدعاً في عمله ومؤدياً أمانته التي أؤتمن عليها، ينظر إليه بعين عوراء وبتقويم ناقص يتعامل معه حسب الأهواء والأمزجة ويواجه ما عمله هذا ببطر بل حتى حين تقويمه يقوِّمه بطريقة فيها شيء من الاحتقار والازدراء والترفع والتعالي وهذا شيء ملاحظ في الكثيرين الذين يتعاملون مع الآخرين بهذا الأسلوب الذي هو من الكبر الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من منا يتوقَّع أن ذلك من أسباب عدم دخول الجنة.
إن الدين الإسلامي.. دين عظيم يلامس كل شيء فهو ليس دين كهنوت ولا رهبان ولا صوامع.. إن هذا الرئيس حين يتعامل مع موظف مخلص بهواه وبمزاجه.. بل ويضع تصنيفاً من مزاجه لهم وبناءً على ما يسمعه عنه حين تجد بعض الرؤساء سمَّاعا لقوم آخرين ليسمع كلامهم فتوافق هوى في نفسه وضغائن ضد الآخر فيعتبرها مبرراً لأن الآخرين (قوّموه) وليس هو وهو يعرف في قرارة نفسه أن هذا غير صحيح ويخالف الواقع ولكن (بطر الحق) هو الذي يستثيره وهو الذي يتصرَّف فيما يقوله، إن (بطر الحق) هو ظلم لهذا الموظف وسينتج عنه حتماً إضرار بالآخرين وهم المستفيدون الذين كفل لهم نظام الحياة العامة حقوقهم حين يكون لدينا رؤساء كلهم يصنفون في قائمة من (يبطر الحق) في حق الموظف والمرؤوس فلكم أن تتخيلوا كم لدينا من مبدع وكم لدينا من مخلص وسيتحوَّل العمل إلى فوضى وأهواء وأمزجة وفقدان للأمان النفسي والوظيفي، إن الهوى هو الذي أعمى إبليس عن الحق وجعله يغمض عيونه عن الشمس الساطعة وهو الذي جعله عدواً لله وللمؤمنين، ولقد ذم الله سبحانه وتعالى الهوى فقال: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ). فقد جعل الهوى إلهاً.. لأن هذا (الباطر للحق) جعل هوى نفسه هو الذي يسيره وهو الذي يسمح له بالتنقص من الآخرين وظلمهم فكأنه أطاع الشيطان وبهذا فهو بمنزلة (الإله) بالنسبة له، فيتعامل مع مرؤوسيه بهواه ولحاجة في نفس يعقوب.
2- الموظف حين يتعامل مع المراجع بناء على هوى أو مصلحة شخصية فينكر ما له من حق واضح وناصع مكفول له بناءً على مركزه ووظيفته فإذا كان رئيساً أعطي صلاحيات معينة فهو يستغلها استغلالاً سيئاً ويتعامل (المراجع) بناءً على مصالح شخصية وآنية فينكر ويكابر بحقوق هذا المراجع وهذا من (بطر الحق وإنكاره).
3- فرجل المرور حين يقف في نقطة التفتيش وهو مؤتمن على أمانته فيضع المخالفات على أناس لم يخالفوا أصلاً ويترك آخرين بناء على مصلحة شخصية أو آنية أو معرفة قبلية هذا الفرد حين يضع (المخالفة) على شخص آخر لم يخالف أصلاً فهو (باطر للحق) منكر له بفعله هذا لأنه خالف الواقع ولم يخاف الله سبحانه وتعالى ويؤد الأمانة التي أؤتمن عليها.
والمفسدين مباشرة دون أي فحص له بل ويزيدون عليه ويضحكون منه.. وفي زماننا هذا وللأسف اتخذ بعض المسؤولين عصابة من النمامين والمغتابين ليقولوا لهم ماذا عمل فلان وماذا لم يعمل ويقيموا الآخرين خصوصاً إذا كانوا مرؤوسين لهم في عمل ما بناءً على مثل هذا الكلام الذي يوجد فيه شيء من الازدراء والترفع الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وهذا الترفع والازدراء هو نوع من الكبر (غمط الناس) ولكن الناس كلهم عند الله في ميزان التقوى والإيمان بغض النظر عن مراتبهم أو منازلهم، بل رب أشعث أغبر ذي طمرين باليين لو أقسم على الله لأبره، فكل الناس سواسية فسبحان الخالق الذي خلقهم من أصل واحد، ولكن الناس بآيات الله يجحدون وينسون ذلك بل ويتعامون عنه، إن الازدراء بالآخرين والاستهزاء بهم من البلايا التي طمت في وقتنا الحالي في كثير من المجالس والمنتديات، فتجد الكثيرين منهم يفرغون أحقادهم وضغائنهم على فلان وفلان من خلال غيبته بل وبهتانه، والمصيبة هي أنك تجد الكثيرين يرددون كالببغاوات ما يقوله هؤلاء المغتابون والحاقدون والنمامون، ولو رأينا النتيجة من مثل هذا الكلام لوجدناها صفراً بل بالسالب.. ولهذا حذَّر رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه من مثل هذا الخلق وغمط الناس.. وعدَّه من الكبر.
2- (غمط الناس) هناك ترابط وثيق بين بطر الحق.. و(غمط الناس) فمن يبطر الحق سيغمط الناس ومن يغمط الناس سيبطر الحق، وكلتاهما صفتان ذميمتان حذر منهما رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه وقال إنهما (الكبر) الذي لا يدخل صاحبه الجنة إذا كان فيه مثقال ذرَّة منه، ومن هنا كان التحديد دقيقاً وليس ب(المظاهر) التي يعتقدها الناس، إن الإسلام يحاسب على العمل وليس (المظاهر)، إن (غمط الناس) هو الذي يحدد العلاقة بين الناس.. وبقي ازدراء الآخرين واحتقارهم والحط من قدرهم.. وهي منتشرة في زماننا هذا فلا ترى شخصاً يتم الثناء عليه في مجلس إلا وينبري أحد (المتشدقين) أو (المتفيهقين) ويذكر عند المساوئ تلو المساوئ وهذا من الكبر والتعالي والترفُّع ولم يقل عنه ذلك إلا لهوى في نفسه ولحاجة في نفس يعقوب ولحقد وحسد تجده في هذه النفس، فالكبر هو أساس الحسد، والحسود تجده دائماً متكبراً مزدرياً للآخرين مترفعاً عليهم.. حتى ازدراء أعمالهم فهو يعتبر من ازدرائهم.. تجد الكثيرين في زماننا هذا يستهزئون بفلان من الناس وأن كلامه كذا ولبسه كذا، أو أن يستهزئوا بأحد الأشخاص لا لسبب إلا لأنه أقل منهم منزلة (درجة وظيفية)، والناس بل كثير منهم في أيامنا هذه لا يزدرون الآخرين ولا يمدحونهم إلا لسبب مادي أو اجتماعي، فتجد موظفاً ما مثلاً يزدري أحد زملائه لدى رئيسه كبراً وترفعاً لا لسبب إلا حسداً وحقداً ولأنه أعلى منه مرتبة أو منزلة، وتجد آخر يزدري أحد الأشخاص تقرباً إلى مسؤول أو مدير فيتهكم عليه ويزدريه تقرباً إلى هذا المسؤول والعيب هنا أن كثيراً من المسؤولين يأخذون كلام النمامين كمسلمة لا تتغير.