Al Jazirah NewsPaper Friday  23/03/2007 G Issue 12594
الثقافية
الجمعة 4 ربيع الأول 1428   العدد  12594
نص
ليل فجر
فاطمة حسين / جدة

- أوّه ما زال الليل طويلاً، وكأن الصباح أصبح صعب المنال، أو أن هذا الليل يأبى الرحيل.. الساعة تسير ببطء... لا.. كأنما تحول الأمر إلى صراع بيني وبين هذا السكون..

- ألست فجراً؟ فلا بد أن الليل يمعن في العناد معك أنت بالذات، وهكذا يستأثر بكامل الوقت وما عليك سوى الانتظار.

- أخذت فجر في ترديد هذه الجملة، وبصوت خافت بعد أن أنصتت برهة لحديث النفس.

- نعم أنا فجر.. بدا الأمر هستيرياً عندما استلقت فراشها، وهي تقهقه ومن ثم ارتفع صوتها ضاحكة مستبشرة باسمها.. نعم أنا فجر ها أنا أيها الليل.. ورغم ذلك كان الليل يلف عالمها بردائه الثقيل.

- أغمضت فجر عينيها لا استسلام لسلطان النوم ولا رهبة من ذلك الليل الجاثم على حياتها، وإنما استرجاعها لتلك الصور المؤلمة القابعة في أعماق ذاكرتها المشدودة دوماً إلى الماضي إلى بداية رحلة العناء والقهر والذل أخذت تحدث نفسها.. ذاك يوم مشهود يا والدي عندما أقبلت النساء على دائنا يبكين ويرددن كلمات كلها حزن وشفقة، ويواسين والدتي وينظرن إلينا، والأسى المرتسم على وجوههن كأنما يحدثنا بما لم يتضح بعد لنا كنت صغيرة في ذلك الوقت يا والدي لا أعرف ماذا يعني رحيل الأب وإلى الأبد..؟ لا أعرف ما الموت؟ ولماذا أخذ أبي بالذات دون غيره؟ لماذا؟ لماذا؟ لم أكن أعي أن تلك الصدمة وتلك الواقعة هي بداية رحلتي مع ليل طويل وظلمة وظلم.. كل الذي أدركته هو أنني حظيت بلقب اليتيمة.. وداعاً يا سندي، وداعاً يا صاحب القلب العطوف واللمسة الحنون، وداعاً والدي.

- أجهشت فجر بالبكاء. أخذت دموعها تنحدر على خديها وتردد يا له من مشوار.

- تزوجت أمي.. زوج أمي.. تشردنا.. أخي فلان وأنت يا فلان أتذكرون رحلتنا المريرة.. عمي شقيق والدي كم كان قاسياً.. فلانة.. بل تلك المرأة المليئة تعابير وجهها بالقسوة.. سافرنا من مدينة إلى أخرى، عدنا من جديد ومن جديد، أيضاً زوج أمي القاسي، عمي الآخر.. وجوه كثيرة وحكايات مؤلمة، كثيرة تلك البيوت التي احتوتنا بين جدرانها، ولكن أصحابها كانوا قساة. أعداؤنا غرباء قد عكرنا عليهم صفو معيشتهم. لنا معهم قصص مليئة بالغُصص.. آه رأسي بدا على فجر الانفعال.. ارتفع صوتها.

- في هذه الأثناء أحست فجر بيد حانية تمسح دموعها برفق.. فجر ما بك؟

- فتحت عينيها فإذا بزوجها عبدالعزيز ينظر إليها، وقد دهش لما اعتراها. أمعنت النظر فيه مرة أخرى، فقالت: عبدالعزيز... أشرق وجهها وعلمت أنها كانت في معركة مع ليل الذكريات المؤلمة.. نظرت إلى الشرفة، وقالت: لا أخافك أيها الليل فأنا فجر وعبدالعزيز الشمس التي ستبدد حلكتك بإذن الله.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد