Al Jazirah NewsPaper Saturday  24/03/2007 G Issue 12595
الثقافية
السبت 05 ربيع الأول 1428   العدد  12595
آراء المنفلوطي في شعراء وكتاب عصره

* تأليف - الأستاذ الدكتور حمد بن ناصر الدخيّل

* قراءة - حنان بنت عبدالعزيز آل سيف

مصطفى لطفي المنفلوطي أديب رائد، كرَّس حياته لفكرة نبيلة، وغاية عظيمة، كافح وناضل حتى برز واشتهر، إيماناً منه برسالة الأدب الصادقة الهدف، أحبَّ المنفلوطي هذه الرسالة فأعطى دون حساب يحدوه الأمل، ويحفه الطموح، وهو يحلم بمستقبل أفضل يمارس فيه الأديب حريته، ثم هو شاعر وناقد، يحمل نبل الكلمة، وصدق الحرف، فله ومضات شاعرية، ومواقف إيحائية، كتب فأبدع في النظرات والعبرات، ونقد فبنى، دأبه توجيه العقول، وإيقاد القرائح، وتنبيه الضمائر، ثم هو عظيم كعظمة الجبل، متواضع كتواضع السهول، رقيق كنسمات الهوى العليل، كريم معطاء كالينابيع، المنفلوطي ثمرة مصرية تحمل أسمى معاني الثراء والعطاء والخير، فيه الأصالة العربية التي ترجمها للعالم بأسره أدباً رائقاً، وشعراً محلقاً، ونقداً هادفاً، كلماته قوية، ولها فاعلية، لتوقظ القلوب، وتنبه الأسماع، هو رجل ذو قامة فارعة الطول في الأدب، ثم هو رجل أيضاً طويل الباع، مديد الذراع في الشعر والنثر والنقد، فشعره تدل عليه مطالع القصائد التالية، الأولى بدأها بقوله: مباسم الثغر ما أحلى حُميّاك وطلعة البدر ما أبهى مُحيّاك والثانية مطلعها يقول فيه: تختال عُجباً في رياض الآس يا أخت غُصن البانة الميّاس ويذكر أحد الدارسين أنه تمكن من جمع نحو ست مئة بيت من شعره.

والنثر تدل عليه كتبه التالية: العبرات والنظرات وماجدولين وفي سبيل التاج والفضيلة وغيرها. وأما نقده فهو الجديد في هذه القراءة المطروحة بين يديك عزيزي القارئ، ولعلك لمحت عنوان الكتاب، واسم الكاتب، فسعادة الدكتور الفاضل (حمد ابن ناصر الدخيّل) - حفظه الله تعالى، وبارك في خطه وخطوه وخطاه - يطرح جديداً في دراسته لأديبنا المنفلوطي وهو جانب النقد، ومن هنا جاء عنوان الكتاب دالاً على فحواه وهو (آراء المنفلوطي في شعراء وكتاب عصره)، والطبعة التي أقرأ فيها هي الأولى لعام (1425هـ - 2004م) وهو من طبع أيادي النادي الأدبي الثقافي البيضاء، الكائن بمدينة جدة - عمرها الله.

والمنفلوطي - رحمه الله - عرفته أوساط الأدب على أنه كاتب مقالة وقصة، وطغت هذه الناحية على شهرته كشاعر وناقد، وعلّة ذلك كما جاء على لسان المؤلف (والعلة في ذلك أنه عالج قرض الشعر في مطلع حياته الأدبية، ونشر عدداً لا بأس به من القصائد، ولكنه رأى بعد التجربة أن مجاله الذي يستطيع أن يبرز فيه النثر لا الشعر، وصادفت مقالاته التي كان ينثرها في جريدة المؤيد وغيرها من الصحف قبولاً واستحساناً كبيرين من قاعدة عريضة من الأدباء والقراء عامة لم يحظَ بهما شعره، فصنفه بعض الكتاب والأدباء بأنه من كتاب الطبقة الأولى، ومن شعراء الطبعة الثانية، ونشرت بعض هذه الآراء في حياته فاطلع عليها، وبعد أن خاض تجربة الشعر وتجربة الكتابة عنَّ له أن يخوض تجربة النقد الأدبي، ولكنه لم يجعل ميدانه في ذلك الأدب القديم مستفيداً مما كتب عن شعرائه وكتابه، بل نزل إلى ساحة الأدب المعاصر، فكتب آراءه النقدية المقتضبة التي صاغها في شكل أحكام في عدد من معاصريه من شعراء وكتاب، عنوانها (طبقات الشعراء)، (وطبقات الكتاب) وهنا يتبلور سؤال هام وهو: ما ردة فعل المجتمع تجاه هذه الآراء النقدية؟ وإجابة هذا السؤال تأتي الدلالة عليها قوية من قبل المؤلف - حفظه الله - حيث قال: (وخرجت هذه الآراء أو الأحكام الأدبية الموجزة لا تنقصها الصراحة ولا الجرأة، فأحدثت صدى في الوسط الأدبي، وصادفت ردة فعل وإنكاراً وسخطاً من الشعراء والأدباء الذين لم يرضوا عنها بل قابلوها بالرفض والانتقاد.

وكان المنفلوطي قد نشر آراءه في الجزء الأول من كتابه (النظرات) الصادر في عام 1910م فاضطر أن يحذفها من الطبعة التالية، ومن الطبيعي ألا تظهر في سائر طبعات النظرات بعد ذلك التي أقدر أنها تجاوزت حتى الآن أكثر من ثلاثين طبعة في مصر وحدها. والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو: ما الجديد الذي جاء به المؤلف؟ والجواب عن هذا التساؤل هو أن هذه الآراء لم تنشر سوى مرة واحدة منذ تسعين عاماً، أصبحت بهذا المقياس نادرة يجهلها من لم يدرس حياة المنفلوطي وأدبه دراسة واسعة، ولا يلم بها إلا من قرأ النظرات في طبعتها الأولى التي أصبحت في ندرة المخطوط، ولذلك أقدم المؤلف - سلمه الله - على إحيائها وبعثها ونشرها بعد هذه المدة الطويلة، وذلك لأنها جزء من تراث المنفلوطي الذي ينبغي أن يكون موضوعاً كله أمام الدارسين.

وعمل المؤلف في الكتاب يظهر في الخطوات التالية:

- إثبات نص هذه الآراء إثباتاً حرفياً من طبعة النظرات الصادرة عام 1910م.

- الترجمة لجميع الأعلام الذين ذكرهم المنفلوطي في الطبقتين: طبقات الشعراء وطبقات الكتاب، وتوثيق المعلومات التي تضمنتها كل ترجمة بذكر بعض مصادرها الموثوقة.

- بيان معنى الألفاظ التي في حاجة إلى توضيح.

- صدّر المؤلف الآراء بتمهيد بعد المقدمة تحدث فيه عن شهرة المنفلوطي ومكانته الأدبية، والظرف الذي نشر فيه آراءه، وبين ما لهذه الآراء من قيمة لما يتمتع به صاحبها من منزلة أدبية رفيعة، وشهرة طبقت آفاق العالم العربي.

- أورد ترجمة للمنفلوطي تحدث فيها عن حياته وأدبه وآثاره، وآثر أن تكون موجزة، تذكرة للقارئ بمراحل حياته ومسيرة أدبه والمؤلفات التي تركها.

- قدم دراسة عن هذه الآراء، وما أُثير حولها من انتقادات وملحوظات. ولكن هل تقتصر آراء مصطفى لطفي المنفلوطي في الأدب والنقد على موضوعي (طبقات الشعراء)، و(طبقات الكتاب) فحسب، أم يمكن لنا أن نجدها في بعض مقالاته الأدبية والنقدية؟ وإجابة هذا السؤال تقول كما جاء على لسان المؤلف - طيّب الله أثره وثرياه - هي أنه (لا تقتصر آراؤه في الأدب والنقد على موضوعي (طبقات الشعراء) و(طبقات الكتاب) فحسب، بل نجدها في بعض مقالاته الأدبية والنقدية التي كان ينشرها في جريدة (المؤيد) وضمنها كتابه (النظرات) بأجزائه الثلاثة، فمن الموضوعات التي بث فيها كثيراً من آرائه الأدبية والنقدية مقدمة النظرات و(النظامون) و(أدوار الشعر العربي) و(الشعر) و(دمعة على الأدب) و(اللفظ والمعنى)، وتمثل جميعاً شريحة من شرائح الجانب الأدبي والنقدي في حياة المنفلوطي الثقافية، ولا يمكن للدارس أن يغفلها وهو يدرس أدبه ونقده. وهذه الأحكام النقدية، والآراء الأدبية، عند الأديب الأريب مصطفى لطفي المنفلوطي - عليه رحمة الله وغفرانه - يغلب عليها الإيجاز والاختصار، وقد سبكت بلغة عربية فصيحة لا تشوبها العجمة ولا يخالطها اللحن، وفيها من محاسن البديع وفنونه الشيء الكثير، ومن نماذج هذه الآراء النقدية، ما كتبه المنفلوطي في الشاعر الكبير محمود سامي البارودي وفحوى مضمونه قوله: (شاعر مقل إقلالاً يحسده عليه الكثيرون، فبيته مدينته، ومدينته مملكته، ومملكته الدنيا وما فيها من سعادة وهناء، ولقد انقضى عصر بشار وأبي نواس فما زلنا نطلب بعدهما ثالثاً لهما بدوياً في أساليبه، حضرياً في تصوراته، فلا نكاد نرينه، حتى وجدناه اليوم في شخص هذا الشاعر الجليل. وأخيراً فمؤلفنا القدير له مبضع نقدي دقيق يتتبع به آراء المنفلوطي النقدية معلقاً ومثرياً ومصححاً ومتذوقاً.

عنوان المراسلة: ص ب 54753 - الرياض 11524


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد