Al Jazirah NewsPaper Saturday  24/03/2007 G Issue 12595
الرأي
السبت 05 ربيع الأول 1428   العدد  12595
التربية بين متغيِّرات الزمان والمكان
غازي بن عماش الصالحي/ بريدة

لفظ التربية يشار به دائماً إلى معانٍ عدَّة منها (النمو) أو (التنمية)، وهناك اختلاف في أصل هذا اللفظ عند اللغويين، فبعضهم يرى أنَّها مشتقة من الفعل (ربا يربو) وهو يتطابق مع قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ..}.. والتربية في الاصطلاح هي عملية التنشئة الاجتماعية أو التطبيع الاجتماعي. بمعنى أنَّ المجتمع يقوم على تنشئة أو تطبيع الطفل على الثقافة والقيم والسلوكيات التي ارتضاها المجتمع لأفراده، فهو من خلال التنشئة الاجتماعية يقوم بعملية تلقين الطفل للثقافة النظرية لتكون سلوكاً تطبيقياً كلما تقدم في مراحل العمر، أي بشكل تدريجي في الحياة. وهنا يرى علماء النفس التربوي أنَّ التربية تبدأ قبل خروج الطفل إلى الحياة فلا بدَّ أن تكون هناك عناية مع بداية تكوين الوليد نفسه في رحم أمه، وذلك عن طريق حث الأم على استخدام الوسائل العلمية لتقديم الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية واستشارة المختصين لما في ذلك من أثر إيجابي وفعلي في تكوين الطفل نفسه وعلى حياته الصحية أو الاجتماعية أو النفسية فيما بعد الولادة. فالتربية ليست فقط بعد الولادة بل قبل الولادة. وبذلك نكون قد رسمنا سمة إيجابية في حياته وطريقة تعامل جيدة مع الطفل في وقت تكوينه في رحم أمه مراعين في ذلك متغيرات المكان والزمان معاً.

ولهذا يرى عالم الاجتماع الفرنسي (أميل دور كايم) أنّ التربية هي ظاهرة اجتماعية، معللاً ذلك بقوة العمومية والإلزام في جميع المجتمعات مراعياً في ذلك اختلاف الزمان والمكان، بمعنى أنَّ أي مجتمع سواء المجتمع القديم أو الحديث توجد به ظاهرة التربية وهي ظاهرة اجتماعية تنشأ من وجود جيلين، جيل الكبار وجيل الصغار وجيل المعلمين وجيل المتعلمين .. وهنا وضع الفيلسوف الفرنسي (أميل دور كايم) التربية كظاهرة اجتماعية بين الزمان والمكان، باعتبار أنَّ التربية تتأثر بين الزمان والمكان، فالزمان هو محك مهم للتأثير على ظاهرة التربية من خلال الأحداث والوقائع الاجتماعية التي تحدث في أي زمان مثل الحروب والكوارث والأمراض والصراعات، والتي سوف ترسم سمة واضحة في تشكيل شخصية وسلوك الطفل. وكذلك المكان فهو العامل البيئي الذي يتدخل في عملية التربية، فالبيئة تشكِّل نمطاً رئيساً للتأثير في تربية الطفل، فالطفل الذي تربَّى في البيئة الجبلية يختلف في سلوكه وتعامله وثقافته عن الطفل الذي تربَّى في بيئة ساحلية أو صحراوية. إنّ الدراسات العلمية التي قام بها الفيلسوف الفرنسي (أميل دور كايم) في التربية اتجهت الاتجاه السليم نحو تحديد التأثير الذي يلعبه الزمان والمكان على عملية التربية كظاهرة اجتماعية تتأثر بين متغيرين مختلفين هما (الزمان والمكان). ولهذا يُعرف (أميل دور كايم) التربية بأنَّها (ذلك الأثر الناشئ عن تدريب الآباء أو جيل الكبار للأجيال الناشئة في مجتمع ما. وتتركز التربية حول تنمية القدرات الجسمية والخلقية للناشئ طبقاً للنمط الذي تتطلّبه الدولة من ناحية وجماعته التي ينتمي إليها من ناحية أخرى) .. وبعد أن عرفنا وبشكل علمي سليم طبقاً للتفسيرات العلمية الخاصة بالفيلسوف الفرنسي (أميل دور كايم) الذي وضح ذلك من خلال دراساته في التربية باعتبار أنَّها ظاهرة اجتماعية تتأثر بين متغيرات (الزمان والمكان)، حقاً علينا فعلاً بعد هذه الدراسات أن نراعي متغيرات المكان والزمان في عملية التربية وصياغة مناهجها لأنَّها سوف ترسم سمة من سمات ذلك الزمان أو المكان في تشكيل شخصية وسلوك واتجاهات وثقافة الطفل. وليس هذا فقط بل سوف تفرض هذه المتغيرات نفسها على التربية وبكل ما تحمله من إيجابيات أو سلبيات، وضحية هذه المتغيرات بالتأكيد هم أطفالنا.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد